ثورة 1936 – 1939 – الجزء الثاني

وعندما أيقنت الحكومة أن الفلسطينيين لن يلينوا، وأنهم مصممون على مواصلة الثورة والاضراب، أقالت القائد العام للقوات البريطانية في فلسطين وعدداً من ضباطه، وعينت الجنرال ديل رئيس أركان جيوش الامبراطورية البريطانية لتولي القيادة العامة في فلسطين، وأطلقت بدء العمل دون قيد أو شرط. فاستحضر الجنرال ديل إلى فلسطين قوات عسكرية ضخمة نقلت بحراً وبراً وجواً من بريطانيا نفسها. ومن قواعده العسكرية في مالطة وقبرص وقناة السويس والحبانية (العراق). وبلغ عدد القوات البريطانية في النصف الأول من شهر آب 1936 في فلسطين أربع فرق كاملة (أي أكثر من سبعين ألف ضابط وجندي). بالإضافة إلى نحو أربعين ألف رجل من قوات الشرطة* النظامية والإضافية قوة حدود شرق الأردن وحرس المستعمرات اليهودية. ووضع الصهيونيون قوات الهاغاناه* والمنظمات “السرية” الإرهابية تحت تصرف القيادة البريطانية. وصمد العرب في وجه هذه القوى الضخمة، وانتصروا في المعارك التي حاصرها ضد قوات الجنرال ديل، واستولوا على مساحات أخرى من الريف والبادية. عندئذ اضطرت الحكومة البريطانية إلى سحب الجنرال ديل وولت الجنرال ويضل القيادة العامة. فرافقه الفشل نفسه، فاستبدلت به الحكومة الجنرال رتشي وأرسلت امدادات عسكرية جديدة، ولكن دون جدوى فسحبت الجنرال رتشي وعينت الجنرال ماكميلان بدلاً منه. ولكن هذه الأعمال والجهود ذهبت أدراج الرياح، وبقيت الثورة مشتعلة الأوار طوال شهري آب وأيلول 1936، دون ما مهادنة أو ضعف. حيال الفشل المتواصل الذي حلق بجميع الجهود والاجراءات التي اتخذتها بريطانيا لوقف الثورة لجأت هذه إلى ملوك العرب ورؤسائهم وأمرائهم للتوسط لدى اللجنة العربية العليا لفلسطين لفك الاضراب ووقف الثورة متعهدة لهم أن تعمل على إنصاف عرب فلسطين. وبعد اتصالات ومشاورات أجراها الملوك والرؤساء والأمراء، وجهوا رسالة إلى رئيس اللجنة العربية العليا لفلسطين لفك الاضراب وإنهاء أعمال العنف. ونزل الفلسطينيون عند نداء الزعماء العرب فأوقفوا الاضراب والثورة في 13/10/1936. وكان قد مضى على هذا الاضراب 176 يوماً وعلى الثورة المسلحة 164 يوماً (رَ: نداء الملوك والرؤساء العرب للشعب الفلسطيني). عادت الحياة إلى مجاريها الطبيعية، وبشكل يدل على حسن التنظيم ووعي الشعب، فور صدور بيان من اللجنة العليا بذلك الاضراب، وعاد القاوقجي وقواته إلى العراق عبر أراضي شرقي الأردن، ورجع المتطوعون العرب إلى ديارهم بصورة سرية تجنباً لغدر الإنكليز بهم. أما المجاهدون الفلسطينيون فإنهم عادوا إلى مدنهم وقراهم بعد أن أخفوا أسلحتهم في مخابىء معدة لهذا الغرض، وكأن شيئاً لم يحدث في البلاد. ورؤي، تجنباً لغدر الإنكليز وملاحقاتهم، أن يلجأ إلى سورية ولبنان والعراق كبار قادة الثورة، وكان منهم على سبيل المثال عبد القادر الحسيني، وحسن سلامة*، وحنا خلف، وعبد الحليم الجيلاني، وعبد الرحيم الحاج محمد*، وعشرات غيرهم. 1) المرحلة الثانية (تشرين الأول 1936 – أيلول 1937) طغى على هذه المرحلة في أشهرها الأولى طابع الصراع السياسي بين العرب وأعدائهم، ثم تطورت الأوضاع في تموز 1937، ووقع من الحوادث ما أدى إلى استئناف الثورة في تشرين الأول 1937. وفيما يلي موجز للأحداث والتطورات التي برزت في المرحلة الثانية للثورة. (1)   بعد وقف الثورة وفك الاضراب انصرف الفلسطينيون إلى الحياة العامية، وانطلقوا يحاولون ترميم أوضاعهم الاقتصادية: التجارية والصناعية والزراعية، في حين لجأت القيادة السياسية إلى بذل أقصى الجهود للإبقاء على وحدة الصف وتوعية الشعب وتحذيره من تقلبات سياسية ومؤامرات أجنبية جديدة. وفي الوقت نفسه انطلقت اللجنة العربية العليا لفلسطين تعد العدة للدفاع عن قضية فلسطين وطالب أهلها أمام اللجنة الملكية البريطانية للتحقيق (لجنة بيل*). أنهت اللجنة الملكية أعمالها في أواخر كانون الثاني 1937 وعادت إلى لندن حيث عكفت على إعداد تقريرها. وفي أواخر حزيران 1937 أشارت الأنباء الخارجية إلى أن اللجنة الملكية ستوصي بتقسيم فلسطين. فأذاعت اللجنة العربية العليا لفلسطين بياناً على الشعب أكدت فيه رفضها للتقسيم، ودعته إلى مقاومته. وفي مطلع شهر تموز 1937 عمت فلسطين مظاهرات صاخبة ضد التقسيم، ووقعت اصطدامات دامية بين العرب والأعداء في نابلس ويافا والقدس وعكا. (2)    وكان الصهيونيين قد قاموا خلال شهري آذار ونيسان 1937 بسلسلة من الأعمال الإرهابية الإجرامية ضد بعض القرى العربية، فرداً عليهم العرب فوراً وأجبروهم على الاقلاع عن اعتدائهم. وفسر العرب هذه الأعمال الصهيونية الإرهابية بأنها جرت بتوجيه من بريطانيا لتخويف العرب وإرهابهم ودفعهم إلى القبول بقرار التقسيم عند صدوره. (3)    نشرت الحكومة البريطانية تقرير اللجنة الملكية يوم 7/7/1937، وقد أوصت فيه بإنشاء دولة يهودية في أقسام من فلسطين، ووضع القدس وما حولها وحيفا* ومنطقتها تحت انتداب بريطانيا الدائم، وضم المناطق الباقية من فلسطين إلى شرق الأردن. وأذاعت الحكومة البريطانية في اليوم نفسه بلاغاً رسمياً تعلن فيها تبينها للتقسيم، وأعلنت أمام مجلس العموم البريطاني أنها تتعهد بتنفيذ مشروعه (رَ: تقسيم فلسطين). (4)   عقدت اللجنة العربية العليا لفلسطين في 9/7/1937 اجتماعاً طارئاً اشترك فيه ممثلون عن اللجان القومية تقرر فيه إعلان رفض العرب للتقسيم، وللسيادة البريطانية الجديدة. وأذاع رئيس اللجنة بياناً على الشعب يدعوه فيه إلى التمسك بالمطالب الوطنية ومقاومة التقسيم حتى يُقضي عليه. وعمت فلسطين المظاهرات والاصطدامات وتبين للحكومة أن الشعب الفلسطيني سيعود إلى السلاح والجهاد. (5)    اشتدت نقمة الأعداء على رئيس اللجنة العربية العليا لفلسطين المفتي أمين الحسيني واتهموه بأنه المسؤول عن إشتعال نيران الثورة، فقرروا اعتقاله وإبعاده إلى جزيرة موريشوس في المحيط الهندي. وفي 19/7/1937 داهمت قوة من رجال الجيش والشرطة دار اللجنة العربية العليا للقبض على المفتي. ولكنه فوت على الأعداء هذه الفرصة فغادر دار اللجنة قبل وصول القوة البريطانية ولجأ إلى المسجد الأقصى. (6)    بعثت اللجنة العربية العليا لفلسطين عدة وفود سياسية ودينية إلى أوروبا وأمريكا والبلاد العربية والإسلامية للدعاية لقضية فلسطين وشرح موقف أهلها من التقسيم وأسباب رفضهم له. ونشطت اللجان القومية الرياضية والكشفية والثقافية والدينية في حقل التوعية الوطنية وإعداد الشعب للاقبال على استئناف الجهاد في الوقت الذي يعلن فيه. كانت قيادة الثورة الفلسطينية واثقة بأن الأعداء لن يتخلوا عن سياستهم، ولن يرجعوا عن مؤامراتهم، كما كانت مقتنعة بأنه لا مناص من استئناف الثورة لاكراه بريطانيا على تلبية مطالب العرب، وانطلقت تعمل لذلك بسرية وكتمان. عمل المسؤولون خلال المرحلة الثانية للثورة على إعادة تنظيم المجاهدين وتدريبهم ومدهم بالعتاد والسلاح، وتنظيم جباية مستقرة لدعم الجهاد. وعملوا على إعادة تشكيل اللجان الوطنية في البلاد العربية لجمع المال والسلاح والعتاد. وأوفد المسؤولون عدداً من أبطال الجهاد وكبار قادته إلى العراق وألمانيا حيث التحقوا بدورات عسكرية في المعاهد العسكرية وتلقوا تدريباً خاصاً على إعداد المتفجرات والألغام وحرب العصابات. وتطورت الأوضاع في فلسطين بشكل سريع بعد إعلان قرار التقسيم ولجوء المفتي إلى الحرم الشريف. فقد اشتدت المقاومة الشعبية للتقسيم، ووقعت خلال شهري آب وتموز 1937 عدة اصطدامات بين العرب والأعداء، واتسعت الهجمات العربية على المستعمرات الصهيونية وثكنات الجيش والشرطة. أما الحكومة البريطانية التي لم تأبه اطلاق لشعور الفلسطينيين ورغائبهم فإنها راحت تمعن في اضطهادها للوطنين، وتتمادى في اتخاذ التدابير والإجراءات الضرورية لتنفيذ قرار التقسيم مهما كلفها الأمر. ونظراً لأهمية لواء الجليل (شمال فلسطين) بالنسبة إلى مشروع التقسيم الذي قرر أن يكون القسم الأكبر منه ضمن الدولة اليهودية فإن الحكومة عينت أحد غلاة الاستعماريين البريطانيين، وهو لويس أندروز، حاكما لواء الجليل، وأطلقت بدء العمل على تنفيذ التقسيم. وفيما كان أندروز يضاعف جهوده ومساعيه لتنفيذ قرار التقسيم، ويمعن في اضطهاده للعرب، ويهزأ بمقاومتهم، اغتاله المجاهدون في مدينة الناصرة في 31/9/1937 مع مرافقه البريطاني. وفي اليوم التالي لاغتيال أندروز وقعت هجمات عنيفة على المستعمرات الصهيونية ورجال الجيش والشرطة. صعدت بريطانيا أعمالها العدوانية القمعية وضاعفت بطشها بالعرب اثر اغتيال أندروز وما تبعه من أحداث محاولة القضاء على مقاومتهم للتقسيم، فأعلنت حالة الطوارىء في البلاد، وانطلق المسؤولون عن الحكم يعتقلون الألوف من العرب، ويطبقون أنظمة الطوارىء وقوانين الدفاع على القرى العربية بقسوة متناهية. وأذاعت الحكومة البريطانية بياناً رسمياً أعلنت فيه أنها تعتبر الحاج أمين الحسيني مسؤولاً عن إشعال نار الثورات وتوجيه أعمال التمرد والعصيان والإرهاب، وأن اللجنة العربية العليا لفلسطين مشاركة في أعمال العنف والإرهاب. وعقبت الحكومة بحل اللجنة العربية العليا لفلسطين واللجان القومية في البلاد وباعتبارها منظمات غير مشروعة. كما قررت عزل المفتي من رئاسة المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى، وعينت لإدارة المجلس لجنة ثلاثية برئاسة كركبرايد البريطاني. حاولت الحكومة اعتقال رئيس وأعضاء اللجنة العربية العليا فلم تستطع الوصول إلى الحرم الشريف، ولكنها ألقت القبض على أربعة من أعضاء اللجنة هم حسين فخري الخالدي* وأحمد حلمي عبد الباقي* وفؤاد سابا ويعقوب الغصين* ونفتهم مع بعض الزعماء الوطنيين الأخرين – ومنهم رشيد الحاج إبراهيم* الزعيم المعروف في حيفا – إلى جزر سيشيل. أما بقية أعضاء اللجنة العليا فقد استطاعوا الاختفاء داخل فلسطين ثم الانتقال سراً إلى لبنان. كذلك اعتقلت الحكومة معظم أعضاء اللجان القومية و 819 شخصاً من رجال الدين وقضاة الشرع والوعاظ والأطباء والتجار والمحامون والصحفيين وغيرهم، فضلاً عن مئات آخرين قبضت عليهم اثر اغتيال أندروز. وتوترت الحال في فلسطين، واشتدت المقاومة رغم تدابير السلطة واجرائاتها. وشددت الحكومة الحصار على الحرم الشريف وضاعفت مراقبتها للمفتي وتحركاته وشددت مساعيها لاعتقاله، لكن الحاج أمين استطاع الخروج سراً من المسجد الأقصى ومغادرة فلسطين إلى لبنان في 13/11/1937. وبعد مدة من وصوله إليه، استأنف نشاطه السياسي والنضالي، وغدت بيروت مقراً للجنة العربية العليا لفلسطين. استطاع الحاج أمين، رغم المراقبة الشديدة التي فرضها عليه الفرنسيون في لبنان، أن ينشر بياناً في الصحف العربية أكد فيه رفضه لمشروع التقسيم وتمسكه المطلق بمطالب الشعب المعروفة، ودعا فيه الشعب الفلسطيني إلى مقاومة السياسة البريطانية ومحاربة مشروع التقسيم حتى القضاء عليه. ووزع هذا البيان في داخل فلسطين يوم 29/10/1937 فاعتبره الفلسطينيون دعوة إلى استئناف الثورة المسلحة. واستؤنفت الثورة فكانت مرحلتها الثالثة. 2)     المرحلة الثالثة (تشرين الأول 1937 – أيلول 1939): تميزت هذه المرحلة الثالثة من 1936 – 1939 بالحقائق التالية: (1)  لم تعد القدس المركز الرئيس للقيادة الوطنية، إذ انتقل نشاط اللجنة العربية العليا والكثيرون من أعضاء اللجان القومية وزعماء الشباب إلى بيروت فغدت هي المركز الرئيس للقيادة الوطنية الفلسطينية. (2)  والاعتبارات كثيرة، وظروف سياسية مختلفة، اختيرت دمشق لتكون مركزاً ومصدراً لتموين الثورة ومد المهاجدين بالسلاح والعتاد والمال. وتألقت للقيام بهذه المهمة لجنة ذات طابع سري من عدد من السوريين والعراقيين والفلسطينيين. وكانت هذه اللجنة تصرف أعمالها وتضطلع بواجباتها بتنسيق وتعاون وثيقين مع اللجنة العربية العليا لفلسطين في بيروت. (3)  اقتصرت أعمال الجهاد في الداخل في هذه المرحلة على الفلسطينيين أنفسهم، فلم تدخل فلسطين قوات شعبية منظمة من الخارج (مثل قوة فوزي القاوقجي في المرحلة الأولى)، ولكن أعداداً من المتطوعين من الأردن والعراق وسورية ولبنان دخلوا فلسطين وانضموا إلى المجاهدين الفلسطينيين بقيادة عبد القادر الحسيني. (4)  كانت معارك الثورة في مرحلتها الثالثة أشد عنفاً وتركيزاً من معارك المرحلة الأولى. وكانت أكثر اتساعاً حتى شملت كل بقاع فلسطين. وظهر قادة جدد للمجاهدين، ولا سيما في مناطق فلسطين الشمالية، أبلوا بلاءاً حسناً في التنظيم والقتال وحروب العصابات. وكانت الكفاءة في القتال والتنظيم في هذه المرحلة أظهر منهما في المرحلة الأولى. (5)  كانت المقاومة في داخل المدن أكثر حدة وشدة من المقاومة التي ظهرت في هذه المدن خلال المرحلة الأولى للثورة، فقد توالت أعمال اغتيال موظفي الحكومة الإنكليز والمتعاونين مع السلطة وباعة الأراضي والسماسرة والجواسيس، واشتدت هجمات المقاومة على دوائر الحكومة وتدميرها وإحراقها. (6)  لم تضرب فلسطين في المرحلة الثالثة كما أضربت في المرحلة الأولى للثورة. وهذا الواقع سهل للشعب بذل الجهود والقيام بالأعمال لدعم المجاهدين ومساعدتهم، ومكن قيادة الثورة من الحصول على المعلومات والأنباء من مساعي السلطة وتحركات قواتها المسلحة والمنظمات الصهيونية الإرهابية. (7)  وقعت في البلاد معارك عسكرية ضخمة كان بعضها يستمر بضعة أيام بين المجاهدين والجيش البريطاني. واتخذت هذه المعارك طابع المعارك الحربية، وقد قام المجاهدون بهجمات عسكرية منظمة على المدن، واستطاعوا احتلال بعضها ورفع العلم العربي مكان العلم البريطاني. ومن المدن التي احتلها المجاهدون القدس القديمة، عكا، وبئرالسبع، والخليل، وبيت لحم، وبيت ساحور*، والمجدل*، والفالوجة، ولم يخرجوا منها إلا بعد معارك ضارية مع القوات البريطانية التي كان تعزيزها مستمراً. وتمكن المجاهدون من السيطرة التامة على أكثر من نصف مساحة فلسطين (الريف والبادية) ومن التحكم الكامل بطرق المواصلات الرئيسة طوال هذه الثورة. (8)  اتسعت في هذه المرحلة الهجمات الفلسطينية المركزة على المستعمرات الصهيونية، ولا سيما في لواءي القدس وغزة، وتكبدت هذه المستعمرات خسائر مادية فادحة، في حين هلك الكثيرون من حراسها الصهيونيين ومن أفراد المنظمات العسكرية الصهيونية الإرهابية. (9)  ولوحظ خلال هذه المرحلة من الثورة قيام المجاهدين بأعمال النسف والتدمير وتفجير المتفجرات في الأوساط الصهيونية والدوائر الرسمية بشكل دل على أنهم قضوا المرحلة الثانية وهم يتدربون على هذه الأعمال. (10)   الناحية السياسية: حدثت خلال هذه المرحلة أحداث وتطورات سياسية ودبلوماسية هامة سواء على المستوى الدولي أو في المجال العربي العام. وكانت أبلغ هذه التطورات: –      انكشاف الستار عن تأييد الولايات المتحدة الأمريكية، رئيساً وشعباً وحكومة، للصهيونيين والانتداب البريطاني وحرصها على أن تتوفر أسباب الدفاع الحقيقي عن الكيان اليهودي في فلسطين كما كان قائماً يومئذ، ومساهمتها الفعالة في دعم العصابات الصهيونية المسلحة، والاضطلاع بدعاية عالمية لصالح الصهيونيين ومخططاتهم. –  ثورة الرأي العام العربي بخاصة والرأي العام الإسلامي بعامة، وتوثب شعور العرب والمسلمين لتأييد ثورة فلسطين والعمل لصالح القضية الفلسطينية. وقد أدت ثورة الرأي العام العربي إلى توحيد الصف في الدول والأوساط العربية، ووقوفها كلها إلى جانب تأييد الميثاق الوطني الفلسطيني وما اشتمل عليه من مطالب. كذلك قضت الثورة على كل ما كان قائماً بين الدول العربية من اختلاف وتباين رأي قضية فلسطين وكيفية حلها. –  دخول، وربما إدخال، الدول العربية فريقاً أساسياً ومباشراً في قضية فلسطين والدفاع عنها. وقد برزت هذه الحقيقة في دعوة الحكومة البريطانية الدول العربية للمساهمة في الجهود المبذولة لتسوية قضية فلسطين، وللاشتراك إلى جانب الوفد الفلسطيني في مؤتمر المائدة المستديرة الذي عقد في لندن عام 1939 (رَ: لندن، مؤتمر – 1939). –  ومن الأحداث والتطورات السياسية والدبلوماسية الهامة خلال المرحلة الثالثة للثورة اضطرار بريطانيا، تحت ضغوط الثورة والجبهة الفلسطينية الداخلية الموحدة وتأثير الرأي العام العربي والإسلامي، إلى العودة للاعتراف باللجنة العربية العليا لفلسطين، ودعوتها للاشتراك في مؤتمر المائدة المستديرة السابق ذكره بوصفها الممثلة الوحيدة للشعب الفلسطيني. –  اضطرار بريطانيا، بعد عجزها عن القضاء على الثورة وتعاظم الخسائر التي كانت تتكبدها القوات البريطانية على أيدي المجاهدين، إلى العدول عن قرار التقسيم (تقرير لجنة اللورد بيل) وعقد مؤتمر المائدة المستديرة للبحث في الوصول إلى حل لقضية فلسطين. حققت هذه الثورة للفلسطينيين وللعرب انتصارات سياسية وديبلوماسية كبيرة ، فضلاً عن الانتصارات العسكرية، وأحالت قضية فلسطين عملياً إلى قضية عربية عامة، وقضية إسلامية. و- التنظيم العسكري: جرت محاولات تنظيم النشاط العسكري أثناء الاضراب الكبير بهدف توحيد الجهود وتحقيق الحد الأقصى من الفاعلية والتأثير. وقد أدى أعضاء تنظيم الشيخ القسام السريون الذين تمكنوا من تجنب عمليات التطويق البريطاني ونجحوا في تأمين قواعد لهم في الجبال، أدوا دوراً بارزاً في التحريض على إشعال الثورة والإعداد التنظيمي والعسكري لها مستغلين حالة الغليان التي عاشتها الجماهير، وأدت إلى إعلان الاضراب الكبير. ولم يتوقفوا عن العمل الثوري في صفوف طبقات الشعب كافة، وخاصة طبقة الفلاحين، ودعوتهم للجهاد من أجل قضية العرب الكبرى. وقد حافظ العمل العسكري خلال عام 1936 إلى حد ما على التنظيم، لكن العفوية تغلبت على معظمه حتى خريف 1937 وبداية 1938 عند اشتعال الثورة مرة أخرى وشمولها قطاعات الشعب الفلسطيني كافة. وكان للتجارب الكثيرة التي مر بها القادة والثوار، واكتسبوا خلالها خبرة أوسع من ناحية القتال والتدريب، أثر كبير في تطوير التنظيم نحو الأفضل، مما جعل الثورة على مستوى أعلى من الدقة والتنظيم. وفي عام 1938 تم تنظيم القيادة العسكرية على الشكل التالي: 1)     القيادة العامة: اتخذت قادة الثورة من مدينة دمشق مقراً سرياً لصعوبة بقائها في فلسطين في تلك لفترة نتيجة ضغط ومراقبة السلطات. وتكون المجلس القيادي من القائد العام ومن عدد من المساعدين هم غالباً رؤساء فروع الشؤون الإدارية والمخابرات والإعلام، بالإضافة إلى قادة المناطق. كما تم تعيين عدد من قدامى المحاربين السوريين ممن عملوا في الثورة السورية (1925 -1927) مستشارين للقائد العام. 2)     قيادة المناطق: خضعت جبهات القتال في فلسطين لقيادات مناطق رئيسة كانت كل منها قيادة ميدانية للثورة في غياب القيادة العسكرية العامة في دمشق، وقد تم توزيعها على الشكل التالي: (1)    المنطقة الشمالية: وتمتد من جبل الكرمل* في الجنوب إلى حدود سورية ولبنان في الشمال ومنطقة طبرية وسمخ* في الشرق. وتعتبر هذه المنطقة بسبب وعورتها ملائمة لحرب العصابات. (2)    منطقة نابلس: وتشمل أقضية نابلس وطولكرم وجنين وساحل حيفا. وتعتبر هذه المنطقة نموذجية لحرب العصابات* لوعورتها وصعوبة مسالكها. (3)        المنطقة الوسطى: تشمل أقضية يافا واللد والرملة. (4)        منطقة القدس: وتشمل أقضية القدس والخليل ورام الله وبيت لحم. أما المناطق الجنوبية من فلسطين فلم يكن فيها قادة مناطق لأنها أراض زراعية أو صحراوية لا تصلح لتنقل رجال العصابات. الجزء الثالث