ثورة 1936 – 1939 – الجزء الاول

 أ – تمهيد: لا بد قبل الدخول في البحث من تسجيل الملاحظات التالية: 1)   بدأت ثورة 1936 – 1939 عملياً وشعبياً قبل إعلان الجهاد المقدس في مطلع أيار 1936. 2) إن هذه الثورة وتطوراتها وأحداثها هي سلسلة ملتحمة الحلقات من أعمال مسلحة، واضرابات عامة، ومظاهرات شعبية، واصطدامات محلية بين العرب والأعداء، ونضال سياسي شديد، وحهود دبلوماسية ودعائية، ومقاطعة للأعداء في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومقاومة جدية لباعة الأراضي والذين يسمسرون لبيعها لليهود. 3)   إن هذه الثورة مرت بثلاث مراحل رئيسة: المرحلة الأولى: من نيسان 1936 إلى تشرين الأول 1936، وقد سادها العمل المسلح. المرحلة الثانية: من تشرين الأول 1936 إلى أيلول 1937، واتسمت بنضال سياسي ودعائي، وبمقاومة عنيفة لسياسة الحكومة البريطانية، وباغتيال الباعة والسماسرة والجواسيس، وبالتصدي لمشروع تقسيم فلسطين الذي كانت بريطانيا تمهد السبيل لتنفيذه. واتسمت هذه المرحلة أيضاً باصطدام سياسي عميق بين القيادة الوطنية والسلطات البريطانية. المرحلة الثالثة: من أيلول 1937 إلى أيلول 1939، وكانت ثورة مسلحة مستمرة في داخل فلسطين، وأعمالاً دعائية وسياسية وجهوداً دبلوماسية خارج فلسطين. ب – الأسباب والعوامل: تجمعت عدة عوامل واعتبارات هامة تولدت عنها الأسباب والظروف التي أدت إلى نشوب هذه الثورة العظيمة التي كانت أكبر وأطول ثورة قام بها أي شعب عربي ضد أعدائه، باستثناء ثورة الجزائر. 1) الأسباب البعيدة: تعود الأسباب البعيدة لهذه الثورة إلى تصميم الفلسطينيين على الدفاع عن عروبة وطنهم ووحدة أراضيه، وإنقاذ فلسطين من شرور السياسة البريطانية والغزوة الصهيونية، كما تعود إلى تمسك الفلسطينيين بميثاقهم الوطني، وعزمهم على بلوغ أهدافه بالحرية والاستقلال والوحدة العربية الشاملة. وهذه الأسباب العميقة والجذرية هي التي أدت إلى نشوب الثورات الفلسطينية في أعوام 1920* 1921* 1929* وإلى ما وقع في فلسطين من أحداث ومظاهرات واضرابات واصطدامات دامية بين العرب وأعدائهم منذ 1919 وحتى ربيع 1936. وزاد من تصميم الفلسطينيين على الدفاع عن عروبة وطنهم في وجه الاستعمار البريطاني والغزوة الصهيونية التجارب المريرة التي مرت بها الحركة الوطنية الفلسطينية منذ نشأتها في 1918/ 1919، وما منيت به جميع المحاولات التفاهم مع الإنكليز من إخفاق وخيبة أمل. وقد ساد الفلسطينيين بعامة، وقيادتهم السياسية بخاصة، اقتناع عميق، بعد عام 1931، بأن بريطانيا لن تدخل أي تبديل أو تعديل على سياستها، وأنها تساعد الصهيونيين على بلوغ هدفهم بتهويد فلسطين. وانجلى هذا الاقتناع عن شعور عام في البلاد بأنه لا جدوى من الجهود والمساعي السياسية التي كانت تبذل بنشاط لإقناع بريطانيا بتغيير مواقفها والعمل على انصاف العرب، وبأن لا فائدة من مواصلة إرسال الوفود إلى بريطانيا وأوروبا وأمريكا، والقيام بأعمال الدعاية في الخارج للدفاع عن قضية فلسطين وعرض مطالب العرب على المحافل الدولية، وبأن السبيل الوحيد المجدي لإنقاذ الوطن هو مجابهة الأعداء بالقوة والعنف. وقد عمل هذا الاقتناع على تغذية وتعميق حركة الاعداد السري للجهاد والكفاح المسلح، وزادها عزماً ونشاطاً، وأشعر المسؤولين في الحركة الوطنية بوجوب التعجيل في إنجاز مهام التأهب والإعداد والاستفادة من الشعور المتوثب تأييداً لأعمال الجهاد والتحرير. وكان الإيمان بعدم جدوى العمل السياسي، وبأن النضال المسلح هو السبيل الوحيد لبلوغ الأهداف الوطنية، قد وجد تجسيده بشكل حي وواقعي في ثورة الشيخ عز الدين القسام عام 1935، فقد أيقظت هذه الثورة الشعب الفلسطيني، وأشعلت في نفسه الحماسة للجهاد، ورفعت معنوياته، وأثبتت له بالتجربة أن لا سبيل لمواجهة الاستعمار والصهيونية إلا الثورة المسلحة عليهما (رَ: ثورة 1935). 2)    الأسباب القريبة: أما الأسباب القريبة المباشرة لنشوب الثورة وحفز الشعب إلى تلبية نداء الجهاد فهي كثيرة أهمها: (1)   استفحال تدفق الهجرة الصهيونية على فلسطين بعد تولي الحزب النازي مقاليد الحكم في ألمانيا، وارتفاع أعداد المهاجرين خلال السنوات 1933 – 1935 بشكل أثار مخاوف الشعب بصورة ملموسة (رَ: الهجرة الصهيونية إلى فلسطين). (2)   استمرار الهجرة اليهودية (السرّية) إلى فلسطين، وتغاضي الحكومة البريطانية عنها والتستر عليها وحمايتها. (3)    تفاقم خطر استيلاء اليهود، بشتى الوسائل والأساليب على أراضي فلسطين، وإمعان الحكومة البريطانية في سن الأنظمة والقوانين لتسهيل عملية استيلاء اليهود على الأراضي. (4)    قيام الصهيونيين (بمعرفة الحكومة ومساعدتها) بتهريب كميات كبيرة من السلاح والعتاد إلى فلسطين وتوزيعها على المدن والمستعمرات الصهيونية، بالإضافة إلى نشاطهم (العلني والسري) في إنشاء تشكيلات ومنظمات عسكرية وإرهابية، واشترك ضباط بريطانيين في تنظيمها وتدريب أفرادها. 3) الأسباب النفسية: يضاف إلى الأسباب البعيدة والقريبة للثورة 1936 -1939 الأسباب النفسية التي تعتبر من حيث تأثيرها على الشعور العام، وما كان لها من ردود فعل في الأوساط الشعبية، من العوامل الأساسية في نشوب الثورة، إذ هيأت النفوس للاقبال عليها والاشتراك فيها ومن هذه العوامل: (1)    ما كان يتعرض له الفلسطينيون عامة والمجاهدون خاصة من اضطهاد وظلم على أيدي الإنكليز. (2)    إقدام الصهيونيين على اقتراف أعمال إجرامية إرهابية ضد العرب، ولا سيما في المناطق المحاذية للمدن والمستعمرات الصهيونية. (3)    اعتزاز الفلسطينيين بما أخذوا يلمسون وجوده من تشكيلات ومنظمات عسكرية فلسطينية (سرية) تم إعدادها لأعمال الجهاد، ويقينهم بأن قيادة الحركة الوطنية عملت على حشد الرأي العام في العالمين العربي والإسلامي لدعم أهل فلسطين. (4)    اتفاق جميع الأحزاب والفئات والجماعات الفلسطينية على توحيد الكلمة والصف، وانتهاء عهد الاختلافات والمشاحنات، وتشكيل “اللجنة العربية العليا لفلسطين”. 3)   العوامل الأخرى: طرأت قبل إعلان الثورة أحداث عجلت بنشوب الثورة: (1) ففي مطلع شهر نيسان 1936 ضاعف الصهيونيين هجماتهم العدوانية المسلحة على العرب لإثارتهم وجرهم إلى خوض المعركة قبل أن يتموا استعدادهم للثورة. وكان الإنكليز والصهيونيين قد علموا يومئذ باتجاه العرب نحو التأهب والاستعداد. لكن هذه الخطة الصهيونية المبيتة منيت بالفشل، إذ امتنع التشكيل السري عن مجابهة الهجمات الصهيونية السابق ذكرها وترك أمر الرد عليها للأهلين في مناطق الاعتداء. (2) لجأ الصهيونيين بعد فشلهم السابق إلى خطة أخرى لاقحام العرب في المعركة في وقت ما زال فيه الخلاف والشقاق قائماً بين الأحزاب العربية. وقد بنيت هذه الخطة على شن أعمال عدوانية ضد يافا أكبر مدينة عربية في فلسطين. ولكن هذه الخطة انقلبت على أصحابها، إذ انها أدت إلى وحدة صف الفلسطينيين بشكل سريع، فأعلنت يافا الاضراب العام، وتبعتها مدن وقرى فلسطين، وبادر زعماء المدن والقرى على اختلاف مشاربهم وفئاتهم إلى إنشاء اللجان القومية* (لجنة في كل مدينة وقرية كبيرة). وضمت هذه اللجان ممثلين عن جميع الأحزاب والطوائف والفئات. (3) في 25 نيسان، والاضراب العام ما زال قائماً، عقدت اللجان القومية مؤتمراً عاماً لها في القدس. وقرر هذا المؤتمر في جو من الحماسة الشديدة تشكيل قيادة سياسية مركزية للحركة الوطنية مقرها القدس، على أن تتمثل فيها الأحزاب والجماعات. فتألفت اللجنة العربية العليا لفلسطين* برئاسة الحاج محمد أمين الحسيني* وعضوية ممثلي الأحزاب الفلسطينية جميعها وممثلين عن المستقلين. ج- الأهداف: كانت أهداف ثورة 1936 – 1939 هي الأهداف نفسها التي ثار الفلسطينيون من أجلها، والتي قاموا في سبيلها بالمظاهرات والاضرابات والاصطدامات العنيفة مع الأعداء منذ 1919 حتى ربيع 1936. وهذه الأهداف هي صيانة عروبة فلسطين، والحفاظ على أراضيها، ومنع تهويدها، وإعلان استقلالها في وحدة عربية شاملة. على أن هذه الأهداف لم تعلن بصراحة وبوضوح إلا عند إعلان الثورة المسلحة في مطلع أيار 1936. ولعل السبب الذي دفع اللجنة العربية العليا لفلسطين إلى عدم إعلان هذه الأهداف فور تشكيلها في 25/4/1936 يعود إلى أن زعماء الحركة الوطنية ركزوا جهودهم، ولا سيما بعد مظاهرات تشرين الأول 1933، على خطة سياسية تعتمد على مطالبة الإنكليز بتغيير سياستهم المتبعة، وتبديل مواقفهم المتخذة من فلسطين وأهلها العرب، وتجنبوا التهديد بالتمرد والعصيان، وآثروا السكوت عن المطالبة بالحرية والاستقلال لفلسطين. وتعود هذه الخطة إلى عاملين رئيسين هما: 1) الحرص على التستر على ما كان يجري من تنظيم وإعداد وتأهب للجهاد، والاعتقاد بأن المطالبة بالتغيير والتبديل فحسب ستحمل الإنكليز والصهيونيين على الاقناع بأن القيادة الوطنية غدت معتدلة. 2) اعتقاد القيادة السياسية بأن خطة مطالبة بريطانيا بتبديل سياستها وتغيير مواقفها، وعدم مجابهتها بالمطالب الأساسية للحركة الوطنية، قد تكون أكثر جدوى، وأقرب إلى التلبية من جانب بريطانيا، وأن التركيز على هذه المطالبة سيحول الرأي العام البريطاني إلى جانب العرب فيضغط على حكومته لتلبية هذه المطالب لما يظهر فيها من اعتدال. وظل القادة المسؤولون يلتزمون خطة مطالبة الحكومة البريطانية بالتبديل والتغيير بعد إعلان الاضراب العام، ولكن تدفق الهجرة اليهودية على فلسطين يومئذ، وقيام حركة ملموسة في داخل بريطانيا تطالب بتحديد الهجرة، إن لم يكن وقفها، دفعا اللجنة العربية العليا لفلسطين إلى اتخاذ مسألة الهجرة وسيلة لدعم مطالبتها بالتغيير والتبديل فاتخذت القرار التالي وأعلنته على الشعب: “دعوة الشعب العربي الفلسطيني إلى مواصلة الاضراب العام حتى تبدل الحكومة البريطانية سياستها وتغير موقفها، وأن تكون البادرة الأولى لهذا التبديل وقف الهجرة اليهودية إلى فلسطين”. د-عناصر الثورة: ليس من اليسير تحديد عناصر ثورة 1936 – 1939، وذلك لعدة أسباب منها: 1) طوق السرية والكتمان الذي ضرب على حركة التأهب والاستعداد الفلسطينية (السرية) والذي ظل ضرورياًَ إلى مدى بعيد بعد نشوب الثورة. 2) تجنب المسؤولين عن إعلان الثورة وقيادتها كشف النقاب عن عناصر المجاهدين (الثوار) وقادتهم الحقيقيين، وعن المدن أو القرى التي جاؤوا منها. وكان الغرض من هذا التكتم إخفاء الحقيقة، أو إبعادها عن الإنكليز والصهيونيين، لأن الأعداء كانوا يضطهدون (عائلات) الثوار إذا عرفوا، ويبطشون بمدنهم وقراهم، في حين كانت المنظمات الإرهابية الصهيونية تقترف أبشع الجرائم ضد القرى التي يتبين لها أن أبناءها يحملون السلاح ويشتركون في الثورة. 3) تعدد عناصر الثورة واختلافها، فمنهم المجاهدون حملة السلاح، ومنهم بعض زعماء اللجان القومية، وتشكيلات “سرية جداً” مستقلة عن الثورة مهمتها معالجة أمور الجواسيس وباعة الأراضي والسماسرة، ومنهم عناصر وطنية وسياسية في خارج فلسطين ساهمت بشكل جدي في دعم الثورة وتقويتها. ويمكن تسجيل الحقائق التالية بالنسبة إلى عناصر الثورة، وقد تكون هناك بعض عناصرها ما زالت غير معروفة: 1) كان أبناء فلسطين هم العنصر الأساسي والرئيس في الثورة، سواء منهم المجاهدون حملة السلاح، أو عدد من رجال السياسة والقيادة الوطنية، أو عدد من كبار الموظفين العرب في الحكومة الذين قدموا للثورة خدمات جيدة. 2) كان الحاج أمين الحسيني وعدد من الشبان الذين وثق بهم واعتمدهم، قد أنشأوا خلال الأعوام التي سبقت نشوب الثورة، عدة منظمات وتشكيلات “سرية”، ووفروا لها السلاح والتدريب والتنظيم للقيام بالثورة عندما يأذن الوقت الملائم. وكانت هذه المنظمات والتشكيلات هي في الحقيقة نواة الثورة. 3) عمل هؤلاء المذكورون على إنشاء تشكيلات ومنظمات علنية، ودربوها تحت ستار النشاط الرياضي على أعمال الإسعاف والدعاية، وعلى أعمال تنظيمية ومسلكية تفيد منها الثورة عند نشوبها. وكان من هذه التشكيلات والتنظيمات: جمعيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجمعيات الشبان المسلمين، ومنظمة الفتوة (التابعة للحزب العربي الفلسطيني*) ومنظمة الجوالة الإسلامية (التابعة للمجلس الإسلامي الأعلى*) فضلاً عن نواد رياضية وثقافية كان من أبرزها كشافة الجراح في عكا، ونادي روضة المعارف في القدس، والنادي الرياضي الإسلامي والنادي الأرثوذكسي في يافا، والاتحاد النسائي العربي الفلسطيني، ولجان الإسعاف والعناية بالمنكوبين والأيتام. وكانت هذه المنظمات والتشكيلات أيضاً معيناً ينتقي منه من يرى فيه المقدرة والاستعداد، لضمهم إلى التشكيل السري. 4) قبيل إعلان الثورة بمدة وجيزة وحدث جميع التشكيلات والمنظمات العسكرية (السرية) ومن ضم إليها بعد تجربة وخبرة فيما بعد، في منظمة واحدة هي “جيش الجهاد المقدس”* الفلسطيني الذي اختير لقيادته عبد القادر الحسيني*. 5) كان القساميون أيضاً من عناصر الثورة. فبعد استشهاد الشيخ عز الدين القسام* في تشرين الثاني 1935 واصل اخوانه وزملاؤه أعمالهم النضالية ضد الأعداء، فلما أعلنت ثورة 1936 انضموا إليها. هذا فيما يتعلق بعناصر الثورة داخل فلسطين، أما عناصرها التي جاءت من خارج فلسطين فيمكن تسجيل الوقائع التالية: 1) بعد نشوب الثورة المسلحة في أيار 1936 جهز العراق (الرسمي سراً والشعبي علناً) قوة عسكرية وافية تألفت من متطوعين للجهاد كان بينهم ضابط وجنود من رجال الجيش العراقي. وأسندت قيادة هذه الثورة إلى فوزي القاوقجي*. وترك تشكيل هذه القوة رد فعل عميق في الأوساط العربية، فتطوع للعمل تحت لواء القاوقجي الكثيرون من أبناء سورية ولبنان. وقد دخلت هذه القوة الأراضي الفلسطينية في أوائل شهر تموز 1936واتخذت مراكز لها في منطقة المثلث (نابلس – طولكرم – جنين)، والتحق بها الكثيرون من المجاهدين من أبناء هذه المنطقة. وقامت هذه القوة بأعمال هامة ضد الأعداء. وعندما أعلن وقف الثورة في 13/10/1936(نهاية مرحلتها الأولى) انسحب القاوقجي ورجاله إلى العراق وسورية وعاد المتطوعون الفلسطينيون في هذه القوة إلى مدنهم وقراهم. 2) من عناصر هذه الثورة أيضاً متطوعون من أبناء شرقي الأردن وسورية ولبنان التحقوا بجيش الجهاد المقدس. وكان من أبرز هؤلاء المتطوعين الثائر السوري المعروف سعيد العاص* الذي استشهد وهو يتولى قيادة المجاهدين في معركة “الخضر” في أيلول 1936. 3) دخلت قوة عسكرية شكلها الحزب السوري القومي الاجتماعي باسم “فرقة الزوبعة” شمالي فلسطين في صيف 1936 وساهمت في أعمال الثورة والجهاد وعادت هذه القوة إلى لبنان في أواخر شهر أيلول 1936 وكان عدد أفرادها نحو 75 رجلاً عمل معهم بعض المنتمين إلى الحزب المذكور في شمالي فلسطين. 4) تشكلت في العراق وسورية ولبنان وشرقي الأردن لجان وطنية لنصرة أهل فلسطين ودعم ثورتهم. وقد عملت هذه اللجان على جميع الأموال والأسلحة وارسالها إلى الفلسطينيين، وقامت باستقبال الجرحى والمصابين من المجاهدين والعناية بهم في بغداد وبيروت وعمان ودمشق. 5) قام المغتربون (الفلسطينيون والسوريون واللبنانيون) في المهجر الأمريكي بأداء واجبهم في دعم الثورة، مما يجيز اعتبارهم من عناصرها. فقد شكل هؤلاء الجمعيات واللجان للدعاية لفلسطين وقضيتها، وجمعوا الأموال وأرسلوها إلى فلسطين. 6) ساهم بعض زعماء البلدان العربية الأخرى، وبعض البلاد الإسلامية، بدعم الثورة دعائياً وإرسال بعض أموال التبرعات لفلسطين. عندما أعلن وقف الثورة في مرحلتها الأولى (في 13/10/ 1936 عاد المتطوعون العرب إلى ديارهم. ولما استؤنف القتال في تشرين الأول 1937 (والمرحلة الثالثة للثورة) تولى جيش الجهاد المقدس الفلسطينيون مهمة الجهاد والقتال وحدهم، على أن بعض أبناء العراق والأردن وسورية ولبنان تطوعوا للجهاد كأفراد والتحقوا بقوات المجاهدين الفلسطينيين. أما اللجان التي تشكلت في العراق وسورية ولبنان والأردن، فإنها واصلت أعمالها في دعم الثورة المتألقة، بل ضاعفتها كذلك فعل المغتربون. هـ- مراحل الثورة: 1) المرحلة الأولى (نيسان – تشرين الأول 1936) ولدت الثورة في الحقيقة في أحداث نيسان 1936 وإعلان الاضراب العام. واتخذت شكلاً مسلحاً وعنيفاً في مطلع شهر أيار 1936. ولقد كان متفقاً عليه أن يتأخر إعلان الثورة السلحة بعض الوقت، وأن تركز الجهود على إبقاء الاضراب مستمراً، واتجاهه بشكل يؤدي إلى بلوغ أهدافه. ولكن الظروف والأوضاع تطورت بصورة سريعة جعلت إعلان الثورة المسلحة أمر لا مفر منه. فقد رفضت الحكومة البريطانية، على الرغم من اشتداد الاضراب، طلب العرب وقف الهجرة اليهودية كما أعلنته اللجنة العربية العليا لفلسطين، ثم تحدتهم علانية باصدارها شهادة هجرة جديدة قدمتها للوكالة اليهودية لاخضار أعداد كبيرة من المهاجرين إلى فلسطين. وترك موقف الحكومة أسوأ الأثر في نفوس أبناء الشعب، وحفزهم على التشدد في الاضراب وتقويته. ورداً على هذا التحدي قرر القادة الفلسطينيون المسؤولون، بعد سلسلة من الاجتماعات السرية حضرها كبار المجاهدين، إعلان الثورة المسلحة. وتنفيذاً لهذا القرار أعلن جيش الجهاد المقدس في مطلع أيار 1936 الثورة المسلحة على الأعداء، وأذاع بياناً ضمنه أهداف الثورة، وهي الأهداف نفسها التي اشتمل عليها الميثاق الوطني الفلسطيني. وفور صدور هذا البيان خرج عبد القادر الحسيني وفصائل جيش الجهاد المقدس إلى الجبال والريف (في لواء القدس)، وشرح المجاهدون يهاجمون ثكنات الجيش ومخافر الشرطة والمستعمرات الصهيونية، ويدمرون طرق المواصلات، ويهاجمون قوافل الأعداء وتجمعاتهم. اقتصرت أعمال الثورة في أيامها الأربعة الأولى على لواء القدس وحده، وعلى المجاهدين المنتظمين في جيش الجهاد المقدس، كما اقتصرت على أعمال مسلحة محدودة في منطقة يافا. على أن الفلسطينيين لم يلبثوا أن انطلقوا إلى السلاح يحملونه، فقد امتدت الثورة في يومها الخامس إلى سائر أنحاء فلسطين، وعنت المدن والقرى والبادية. وأخذت الثورة تشتد وتتسع نطاقاً يوماً بعد يوم. وأثارت أبناء المعارك الضارية والاصطدامات الشديدة بين المجاهدين والأعداء حماسة الجماهير، في حين رفعت انتصارات المجاهدين المتوالية معنويات الشعب وضاعفت استعداده للبذل والعطاء، فالتحق الكثيرون من الرجال والشبان، ولاسيما في القرى، بالمجاهدين واشتركوا في المعارك تحت قيادة جيش الجهاد المقدس، فلم يعد العمل المسلح مقتصراً على المنتظمين في تشكيلاته. تركزت المعارك والاصطدامات خلال الشهر الأول في لواء القدس (القدس* – الخليل* – بيت لحم* – أريحا* – رام الله*) ولواء نابلس (نابلس* -جنين* – طولكرم*)، في حين اتسعت الاصطدامات واشتدت المناوشات في أقضية يافا واللد والرملة. ووقعت في المدن الكبرى وبعض القرى سلسلة من الأعمال المسلحة. وبدأ الشهر الثاني للثورة بامتداد المعارك العنيفة وحرب العصابات إلى جميع ألوية فلسطين وأقضيتها، فغدت الثورة في الواقع ثورة الشعب الفلسطيني برمته. ثم طرأ تطور في ميدان المقاومة بدخول فوزي القاوقجي وقواته إلى منطقة المثلث من ناحية، ويتدفق المتطوعين من الأردن وسورية ولبنان على فلسطين وانضامهم إلى الجهاد المقدس من ناحية أخرى. وقد تأثر الشعب كثيراً بهذه التطورات، وتضاعفت حماسته، وأحالها في شهرها الثالث إلى معارك عسكرية مكشوفة مع القوات البريطانية في شتى أنحاء فلسطين. وهجمات مركزة على المستعمرات الصهيونية وطرق المواصلات ومخافر الشرطة. ومما هو جدير بالتسجيل أن دخول قوات القاوقجي في معارك عنيفة مع القوات البريطانية في قرى منطقة المثلث (مثل قرى بلعة* وجبع وبرقة وزيتا* ودير شرف وعرابة* وغيرها) رفع معنويات الشعب وحفز الجميع إلى المساهمة في أعمال الثورة. وكان الإنكليز والصهيونيين يعتقدون في بادىء الأمر أن الاضراب العام لن يستمر طويلاً، وأن الثورة ليست سوى فترة آنية لا تلبث أن تهدأ وتخبو، فلما تبين لهم عكس ما كانوا يعتقدون أنطلقوا يرتكبون أبشع المظالم من أعمال القتل والاجرام والإرهاب والعسف والقهر ضد العرب. ولكن الفلسطينيون واصلوا الجهاد، ولم تضعفهم عمليات السلطات الصهيونية بنسف القرى وتدمير الأحياء والبيوت واعتقال المئات من المواطنين. وكان من أبشع ما لجأ إليه الإنكليز من تدابير نسفهم بلدة يافا القديمة. ولمناسبة مرور مائة يوم على إعلان الاضراب العام الذي كان قد بلغ أوج قوته وقعت في جميع أنحاء فلسطين معارك عنيفة طوال هذا اليوم وليله تجرأ خلالها المجاهدون على مهاجمة مدن القدس ويافا* والخليل وغزة* وبئر السبع* وعكا* وصفد* ومحاولة احتلالها. وفي الوقت نفسه أتسعت أعمال المجموعات “السرية” داخل المدن، وأخذت تغتال الموظفين البريطانيين وضباط الجيش والشرطة والجواسيس وباعة الأراضي والسماسرة، وتلقي المتفجرات على دوائر الحكومة. وفي هذه المناسبة أيضاً خرجت النساء العربيات في شتى مدن فلسطين في مظاهرات صاخبة ضد الإنكليز، ووقعت اصطدامات دموية بين القوات البريطانية والنساء الفلسطينيات. وقد أقضت مضاجع الإنكليز واليهود هذه الحوادث، وجعلتهم في حالة من الذعر، وفي خشية من أن يتمكن الثوار من احتلال بعض المدن والقرى الكبيرة بعد أن فقدت الحكومة أية سلطة فعلية على أقسام واسعة من الريف والبادية. فأعلنت الحكومة البريطانية حالة الحصار (حالة الحرب) في فلسطين، وقررت وضع القوانين الدفاع* وقوانين الطوارىء* موضع التنفيذ، وراحت تطبقها على العرب بوحشية وقسوة. لكن الحكومة البريطانية شعرت بعجزها عن وقف الثورة وإنهاء الاضراب العام فلجأت إلى خطة المراوغة والتضليل، وأعلنت أنها قررت ايفاد “لجنة ملكية” للتحقيق في قضية فلسطين وشكاوى الأهلين ووضع التوصيات لحل القضية حلاً عادلاً. كذلك وسطت الحكومة البريطانية بعض أقطاب العرب وحكامهم (ولاسيما المعروفين بصداقتهم لبريطانيا) لإقناع عرب فلسطين ووقف الثورة. وحضر بعضهم إلى فلسطين ليجدوا اضراراً عظيماً من العرب على الاستمرار في الثورة حتى تحقيق مطالبهم. الجزء الثاني