ثورة 1936 – 1939

 أ – تمهيد: لا بد قبل الدخول في البحث من تسجيل الملاحظات التالية: 1)     بدأت ثورة 1936 – 1939 عملياً وشعبياً قبل إعلان الجهاد المقدس في مطلع أيار 1936. 2)     إن هذه الثورة وتطوراتها وأحداثها هي سلسلة ملتحمة الحلقات من أعمال مسلحة، واضرابات عامة، ومظاهرات شعبية، واصطدامات محلية بين العرب والأعداء، ونضال سياسي شديد، وحهود دبلوماسية ودعائية، ومقاطعة للأعداء في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومقاومة جدية لباعة الأراضي والذين يسمسرون لبيعها لليهود. 3)     إن هذه الثورة مرت بثلاث مراحل رئيسة: المرحلة الأولى: من نيسان 1936 إلى تشرين الأول 1936، وقد سادها العمل المسلح. المرحلة الثانية: من تشرين الأول 1936 إلى أيلول 1937، واتسمت بنضال سياسي ودعائي، وبمقاومة عنيفة لسياسة الحكومة البريطانية، وباغتيال الباعة والسماسرة والجواسيس، وبالتصدي لمشروع تقسيم فلسطين الذي كانت بريطانيا تمهد السبيل لتنفيذه. واتسمت هذه المرحلة أيضاً باصطدام سياسي عميق بين القيادة الوطنية والسلطات البريطانية. المرحلة الثالثة: من أيلول 1937 إلى أيلول 1939، وكانت ثورة مسلحة مستمرة في داخل فلسطين، وأعمالاً دعائية وسياسية وجهوداً دبلوماسية خارج فلسطين. ب – الأسباب والعوامل: تجمعت عدة عوامل واعتبارات هامة تولدت عنها الأسباب والظروف التي أدت إلى نشوب هذه الثورة العظيمة التي كانت أكبر وأطول ثورة قام بها أي شعب عربي ضد أعدائه، باستثناء ثورة الجزائر. 1)     الأسباب البعيدة: تعود الأسباب البعيدة لهذه الثورة إلى تصميم الفلسطينيين على الدفاع عن عروبة وطنهم ووحدة أراضيه، وإنقاذ فلسطين من شرور السياسة البريطانية والغزوة الصهيونية، كما تعود إلى تمسك الفلسطينيين بميثاقهم الوطني، وعزمهم على بلوغ أهدافه بالحرية والاستقلال والوحدة العربية الشاملة. وهذه الأسباب العميقة والجذرية هي التي أدت إلى نشوب الثورات الفلسطينية في أعوام 1920* 1921* 1929* وإلى ما وقع في فلسطين من أحداث ومظاهرات واضرابات واصطدامات دامية بين العرب وأعدائهم منذ 1919 وحتى ربيع 1936. وزاد من تصميم الفلسطينيين على الدفاع عن عروبة وطنهم في وجه الاستعمار البريطاني والغزوة الصهيونية التجارب المريرة التي مرت بها الحركة الوطنية الفلسطينية منذ نشأتها في 1918/ 1919، وما منيت به جميع المحاولات التفاهم مع الإنكليز من إخفاق وخيبة أمل. وقد ساد الفلسطينيين بعامة، وقيادتهم السياسية بخاصة، اقتناع عميق، بعد عام 1931، بأن بريطانيا لن تدخل أي تبديل أو تعديل على سياستها، وأنها تساعد الصهيونيين على بلوغ هدفهم بتهويد فلسطين. وانجلى هذا الاقتناع عن شعور عام في البلاد بأنه لا جدوى من الجهود والمساعي السياسية التي كانت تبذل بنشاط لإقناع بريطانيا بتغيير مواقفها والعمل على انصاف العرب، وبأن لا فائدة من مواصلة إرسال الوفود إلى بريطانيا وأوروبا وأمريكا، والقيام بأعمال الدعاية في الخارج للدفاع عن قضية فلسطين وعرض مطالب العرب على المحافل الدولية، وبأن السبيل الوحيد المجدي لإنقاذ الوطن هو مجابهة الأعداء بالقوة والعنف. وقد عمل هذا الاقتناع على تغذية وتعميق حركة الاعداد السري للجهاد والكفاح المسلح، وزادها عزماً ونشاطاً، وأشعر المسؤولين في الحركة الوطنية بوجوب التعجيل في إنجاز مهام التأهب والإعداد والاستفادة من الشعور المتوثب تأييداً لأعمال الجهاد والتحرير. وكان الإيمان بعدم جدوى العمل السياسي، وبأن النضال المسلح هو السبيل الوحيد لبلوغ الأهداف الوطنية، قد وجد تجسيده بشكل حي وواقعي في ثورة الشيخ عز الدين القسام عام 1935، فقد أيقظت هذه الثورة الشعب الفلسطيني، وأشعلت في نفسه الحماسة للجهاد، ورفعت معنوياته، وأثبتت له بالتجربة أن لا سبيل لمواجهة الاستعمار والصهيونية إلا الثورة المسلحة عليهما (رَ: ثورة 1935). 2) الأسباب القريبة: أما الأسباب القريبة المباشرة لنشوب الثورة وحفز الشعب إلى تلبية نداء الجهاد فهي كثيرة أهمها: (1)  استفحال تدفق الهجرة الصهيونية على فلسطين بعد تولي الحزب النازي مقاليد الحكم في ألمانيا، وارتفاع أعداد المهاجرين خلال السنوات 1933 – 1935 بشكل أثار مخاوف الشعب بصورة ملموسة (رَ: الهجرة الصهيونية إلى فلسطين). (2)  استمرار الهجرة اليهودية (السرّية) إلى فلسطين، وتغاضي الحكومة البريطانية عنها والتستر عليها وحمايتها. (3)   تفاقم خطر استيلاء اليهود، بشتى الوسائل والأساليب على أراضي فلسطين، وإمعان الحكومة البريطانية في سن الأنظمة والقوانين لتسهيل عملية استيلاء اليهود على الأراضي. (4)   قيام الصهيونيين (بمعرفة الحكومة ومساعدتها) بتهريب كميات كبيرة من السلاح والعتاد إلى فلسطين وتوزيعها على المدن والمستعمرات الصهيونية، بالإضافة إلى نشاطهم (العلني والسري) في إنشاء تشكيلات ومنظمات عسكرية وإرهابية، واشترك ضباط بريطانيين في تنظيمها وتدريب أفرادها. 3) الأسباب النفسية: يضاف إلى الأسباب البعيدة والقريبة للثورة 1936 -1939 الأسباب النفسية التي تعتبر من حيث تأثيرها على الشعور العام، وما كان لها من ردود فعل في الأوساط الشعبية، من العوامل الأساسية في نشوب الثورة، إذ هيأت النفوس للاقبال عليها والاشتراك فيها ومن هذه العوامل: (1)  ما كان يتعرض له الفلسطينيون عامة والمجاهدون خاصة من اضطهاد وظلم على أيدي الإنكليز. (2)  إقدام الصهيونيين على اقتراف أعمال إجرامية إرهابية ضد العرب، ولا سيما في المناطق المحاذية للمدن والمستعمرات الصهيونية. (3)  اعتزاز الفلسطينيين بما أخذوا يلمسون وجوده من تشكيلات ومنظمات عسكرية فلسطينية (سرية) تم إعدادها لأعمال الجهاد، ويقينهم بأن قيادة الحركة الوطنية عملت على حشد الرأي العام في العالمين العربي والإسلامي لدعم أهل فلسطين. (4)  اتفاق جميع الأحزاب والفئات والجماعات الفلسطينية على توحيد الكلمة والصف، وانتهاء عهد الاختلافات والمشاحنات، وتشكيل “اللجنة العربية العليا لفلسطين”. 3)     العوامل الأخرى: طرأت قبل إعلان الثورة أحداث عجلت بنشوب الثورة: (1) ففي مطلع شهر نيسان 1936 ضاعف الصهيونيين هجماتهم العدوانية المسلحة على العرب لإثارتهم وجرهم إلى خوض المعركة قبل أن يتموا استعدادهم للثورة. وكان الإنكليز والصهيونيين قد علموا يومئذ باتجاه العرب نحو التأهب والاستعداد. لكن هذه الخطة الصهيونية المبيتة منيت بالفشل، إذ امتنع التشكيل السري عن مجابهة الهجمات الصهيونية السابق ذكرها وترك أمر الرد عليها للأهلين في مناطق الاعتداء. (2) لجأ الصهيونيين بعد فشلهم السابق إلى خطة أخرى لاقحام العرب في المعركة في وقت ما زال فيه الخلاف والشقاق قائماً بين الأحزاب العربية. وقد بنيت هذه الخطة على شن أعمال عدوانية ضد يافا أكبر مدينة عربية في فلسطين. ولكن هذه الخطة انقلبت على أصحابها، إذ انها أدت إلى وحدة صف الفلسطينيين بشكل سريع، فأعلنت يافا الاضراب العام، وتبعتها مدن وقرى فلسطين، وبادر زعماء المدن والقرى على اختلاف مشاربهم وفئاتهم إلى إنشاء اللجان القومية* (لجنة في كل مدينة وقرية كبيرة). وضمت هذه اللجان ممثلين عن جميع الأحزاب والطوائف والفئات. (3) في 25 نيسان، والاضراب العام ما زال قائماً، عقدت اللجان القومية مؤتمراً عاماً لها في القدس. وقرر هذا المؤتمر في جو من الحماسة الشديدة تشكيل قيادة سياسية مركزية للحركة الوطنية مقرها القدس، على أن تتمثل فيها الأحزاب والجماعات. فتألفت اللجنة العربية العليا لفلسطين* برئاسة الحاج محمد أمين الحسيني* وعضوية ممثلي الأحزاب الفلسطينية جميعها وممثلين عن المستقلين. ج- الأهداف: كانت أهداف ثورة 1936 – 1939 هي الأهداف نفسها التي ثار الفلسطينيون من أجلها، والتي قاموا في سبيلها بالمظاهرات والاضرابات والاصطدامات العنيفة مع الأعداء منذ 1919 حتى ربيع 1936. وهذه الأهداف هي صيانة عروبة فلسطين، والحفاظ على أراضيها، ومنع تهويدها، وإعلان استقلالها في وحدة عربية شاملة. على أن هذه الأهداف لم تعلن بصراحة وبوضوح إلا عند إعلان الثورة المسلحة في مطلع أيار 1936. ولعل السبب الذي دفع اللجنة العربية العليا لفلسطين إلى عدم إعلان هذه الأهداف فور تشكيلها في 25/4/1936 يعود إلى أن زعماء الحركة الوطنية ركزوا جهودهم، ولا سيما بعد مظاهرات تشرين الأول 1933، على خطة سياسية تعتمد على مطالبة الإنكليز بتغيير سياستهم المتبعة، وتبديل مواقفهم المتخذة من فلسطين وأهلها العرب، وتجنبوا التهديد بالتمرد والعصيان، وآثروا السكوت عن المطالبة بالحرية والاستقلال لفلسطين. وتعود هذه الخطة إلى عاملين رئيسين هما: 1)     الحرص على التستر على ما كان يجري من تنظيم وإعداد وتأهب للجهاد، والاعتقاد بأن المطالبة بالتغيير والتبديل فحسب ستحمل الإنكليز والصهيونيين على الاقناع بأن القيادة الوطنية غدت معتدلة. 2)     اعتقاد القيادة السياسية بأن خطة مطالبة بريطانيا بتبديل سياستها وتغيير مواقفها، وعدم مجابهتها بالمطالب الأساسية للحركة الوطنية، قد تكون أكثر جدوى، وأقرب إلى التلبية من جانب بريطانيا، وأن التركيز على هذه المطالبة سيحول الرأي العام البريطاني إلى جانب العرب فيضغط على حكومته لتلبية هذه المطالب لما يظهر فيها من اعتدال. وظل القادة المسؤولون يلتزمون خطة مطالبة الحكومة البريطانية بالتبديل والتغيير بعد إعلان الاضراب العام، ولكن تدفق الهجرة اليهودية على فلسطين يومئذ، وقيام حركة ملموسة في داخل بريطانيا تطالب بتحديد الهجرة، إن لم يكن وقفها، دفعا اللجنة العربية العليا لفلسطين إلى اتخاذ مسألة الهجرة وسيلة لدعم مطالبتها بالتغيير والتبديل فاتخذت القرار التالي وأعلنته على الشعب: “دعوة الشعب العربي الفلسطيني إلى مواصلة الاضراب العام حتى تبدل الحكومة البريطانية سياستها وتغير موقفها، وأن تكون البادرة الأولى لهذا التبديل وقف الهجرة اليهودية إلى فلسطين”. د-عناصر الثورة: ليس من اليسير تحديد عناصر ثورة 1936 – 1939، وذلك لعدة أسباب منها: 1)     طوق السرية والكتمان الذي ضرب على حركة التأهب والاستعداد الفلسطينية (السرية) والذي ظل ضرورياًَ إلى مدى بعيد بعد نشوب الثورة. 2)     تجنب المسؤولين عن إعلان الثورة وقيادتها كشف النقاب عن عناصر المجاهدين (الثوار) وقادتهم الحقيقيين، وعن المدن أو القرى التي جاؤوا منها. وكان الغرض من هذا التكتم إخفاء الحقيقة، أو إبعادها عن الإنكليز والصهيونيين، لأن الأعداء كانوا يضطهدون (عائلات) الثوار إذا عرفوا، ويبطشون بمدنهم وقراهم، في حين كانت المنظمات الإرهابية الصهيونية تقترف أبشع الجرائم ضد القرى التي يتبين لها أن أبناءها يحملون السلاح ويشتركون في الثورة. 3)     تعدد عناصر الثورة واختلافها، فمنهم المجاهدون حملة السلاح، ومنهم بعض زعماء اللجان القومية، وتشكيلات “سرية جداً” مستقلة عن الثورة مهمتها معالجة أمور الجواسيس وباعة الأراضي والسماسرة، ومنهم عناصر وطنية وسياسية في خارج فلسطين ساهمت بشكل جدي في دعم الثورة وتقويتها. ويمكن تسجيل الحقائق التالية بالنسبة إلى عناصر الثورة، وقد تكون هناك بعض عناصرها ما زالت غير معروفة: 1)     كان أبناء فلسطين هم العنصر الأساسي والرئيس في الثورة، سواء منهم المجاهدون حملة السلاح، أو عدد من رجال السياسة والقيادة الوطنية، أو عدد من كبار الموظفين العرب في الحكومة الذين قدموا للثورة خدمات جيدة. 2)     كان الحاج أمين الحسيني وعدد من الشبان الذين وثق بهم واعتمدهم، قد أنشأوا خلال الأعوام التي سبقت نشوب الثورة، عدة منظمات وتشكيلات “سرية”، ووفروا لها السلاح والتدريب والتنظيم للقيام بالثورة عندما يأذن الوقت الملائم. وكانت هذه المنظمات والتشكيلات هي في الحقيقة نواة الثورة. 3)     عمل هؤلاء المذكورون على إنشاء تشكيلات ومنظمات علنية، ودربوها تحت ستار النشاط الرياضي على أعمال الإسعاف والدعاية، وعلى أعمال تنظيمية ومسلكية تفيد منها الثورة عند نشوبها. وكان من هذه التشكيلات والتنظيمات: جمعيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجمعيات الشبان المسلمين، ومنظمة الفتوة (التابعة للحزب العربي الفلسطيني*) ومنظمة الجوالة الإسلامية (التابعة للمجلس الإسلامي الأعلى*) فضلاً عن نواد رياضية وثقافية كان من أبرزها كشافة الجراح في عكا، ونادي روضة المعارف في القدس، والنادي الرياضي الإسلامي والنادي الأرثوذكسي في يافا، والاتحاد النسائي العربي الفلسطيني، ولجان الإسعاف والعناية بالمنكوبين والأيتام. وكانت هذه المنظمات والتشكيلات أيضاً معيناً ينتقي منه من يرى فيه المقدرة والاستعداد، لضمهم إلى التشكيل السري. 4)     قبيل إعلان الثورة بمدة وجيزة وحدث جميع التشكيلات والمنظمات العسكرية (السرية) ومن ضم إليها بعد تجربة وخبرة فيما بعد، في منظمة واحدة هي “جيش الجهاد المقدس”* الفلسطيني الذي اختير لقيادته عبد القادر الحسيني*. 5)     كان القساميون أيضاً من عناصر الثورة. فبعد استشهاد الشيخ عز الدين القسام* في تشرين الثاني 1935 واصل اخوانه وزملاؤه أعمالهم النضالية ضد الأعداء، فلما أعلنت ثورة 1936 انضموا إليها. هذا فيما يتعلق بعناصر الثورة داخل فلسطين، أما عناصرها التي جاءت من خارج فلسطين فيمكن تسجيل الوقائع التالية: 1)     بعد نشوب الثورة المسلحة في أيار 1936 جهز العراق (الرسمي سراً والشعبي علناً) قوة عسكرية وافية تألفت من متطوعين للجهاد كان بينهم ضابط وجنود من رجال الجيش العراقي. وأسندت قيادة هذه الثورة إلى فوزي القاوقجي*. وترك تشكيل هذه القوة رد فعل عميق في الأوساط العربية، فتطوع للعمل تحت لواء القاوقجي الكثيرون من أبناء سورية ولبنان. وقد دخلت هذه القوة الأراضي الفلسطينية في أوائل شهر تموز 1936واتخذت مراكز لها في منطقة المثلث (نابلس – طولكرم – جنين)، والتحق بها الكثيرون من المجاهدين من أبناء هذه المنطقة. وقامت هذه القوة بأعمال هامة ضد الأعداء. وعندما أعلن وقف الثورة في 13/10/1936(نهاية مرحلتها الأولى) انسحب القاوقجي ورجاله إلى العراق وسورية وعاد المتطوعون الفلسطينيون في هذه القوة إلى مدنهم وقراهم. 2) من عناصر هذه الثورة أيضاً متطوعون من أبناء شرقي الأردن وسورية ولبنان التحقوا بجيش الجهاد المقدس. وكان من أبرز هؤلاء المتطوعين الثائر السوري المعروف سعيد العاص* الذي استشهد وهو يتولى قيادة المجاهدين في معركة “الخضر” في أيلول 1936. 3) دخلت قوة عسكرية شكلها الحزب السوري القومي الاجتماعي باسم “فرقة الزوبعة” شمالي فلسطين في صيف 1936 وساهمت في أعمال الثورة والجهاد وعادت هذه القوة إلى لبنان في أواخر شهر أيلول 1936 وكان عدد أفرادها نحو 75 رجلاً عمل معهم بعض المنتمين إلى الحزب المذكور في شمالي فلسطين. 4) تشكلت في العراق وسورية ولبنان وشرقي الأردن لجان وطنية لنصرة أهل فلسطين ودعم ثورتهم. وقد عملت هذه اللجان على جميع الأموال والأسلحة وارسالها إلى الفلسطينيين، وقامت باستقبال الجرحى والمصابين من المجاهدين والعناية بهم في بغداد وبيروت وعمان ودمشق. 5) قام المغتربون (الفلسطينيون والسوريون واللبنانيون) في المهجر الأمريكي بأداء واجبهم في دعم الثورة، مما يجيز اعتبارهم من عناصرها. فقد شكل هؤلاء الجمعيات واللجان للدعاية لفلسطين وقضيتها، وجمعوا الأموال وأرسلوها إلى فلسطين. 6) ساهم بعض زعماء البلدان العربية الأخرى، وبعض البلاد الإسلامية، بدعم الثورة دعائياً وإرسال بعض أموال التبرعات لفلسطين. عندما أعلن وقف الثورة في مرحلتها الأولى (في 13/10/ 1936 عاد المتطوعون العرب إلى ديارهم. ولما استؤنف القتال في تشرين الأول 1937 (والمرحلة الثالثة للثورة) تولى جيش الجهاد المقدس الفلسطينيون مهمة الجهاد والقتال وحدهم، على أن بعض أبناء العراق والأردن وسورية ولبنان تطوعوا للجهاد كأفراد والتحقوا بقوات المجاهدين الفلسطينيين. أما اللجان التي تشكلت في العراق وسورية ولبنان والأردن، فإنها واصلت أعمالها في دعم الثورة المتألقة، بل ضاعفتها كذلك فعل المغتربون. هـ- مراحل الثورة: 1)     المرحلة الأولى (نيسان – تشرين الأول 1936) ولدت الثورة في الحقيقة في أحداث نيسان 1936 وإعلان الاضراب العام. واتخذت شكلاً مسلحاً وعنيفاً في مطلع شهر أيار 1936. ولقد كان متفقاً عليه أن يتأخر إعلان الثورة السلحة بعض الوقت، وأن تركز الجهود على إبقاء الاضراب مستمراً، واتجاهه بشكل يؤدي إلى بلوغ أهدافه. ولكن الظروف والأوضاع تطورت بصورة سريعة جعلت إعلان الثورة المسلحة أمر لا مفر منه. فقد رفضت الحكومة البريطانية، على الرغم من اشتداد الاضراب، طلب العرب وقف الهجرة اليهودية كما أعلنته اللجنة العربية العليا لفلسطين، ثم تحدتهم علانية باصدارها شهادة هجرة جديدة قدمتها للوكالة اليهودية لاخضار أعداد كبيرة من المهاجرين إلى فلسطين. وترك موقف الحكومة أسوأ الأثر في نفوس أبناء الشعب، وحفزهم على التشدد في الاضراب وتقويته. ورداً على هذا التحدي قرر القادة الفلسطينيون المسؤولون، بعد سلسلة من الاجتماعات السرية حضرها كبار المجاهدين، إعلان الثورة المسلحة. وتنفيذاً لهذا القرار أعلن جيش الجهاد المقدس في مطلع أيار 1936 الثورة المسلحة على الأعداء، وأذاع بياناً ضمنه أهداف الثورة، وهي الأهداف نفسها التي اشتمل عليها الميثاق الوطني الفلسطيني. وفور صدور هذا البيان خرج عبد القادر الحسيني وفصائل جيش الجهاد المقدس إلى الجبال والريف (في لواء القدس)، وشرح المجاهدون يهاجمون ثكنات الجيش ومخافر الشرطة والمستعمرات الصهيونية، ويدمرون طرق المواصلات، ويهاجمون قوافل الأعداء وتجمعاتهم. اقتصرت أعمال الثورة في أيامها الأربعة الأولى على لواء القدس وحده، وعلى المجاهدين المنتظمين في جيش الجهاد المقدس، كما اقتصرت على أعمال مسلحة محدودة في منطقة يافا. على أن الفلسطينيين لم يلبثوا أن انطلقوا إلى السلاح يحملونه، فقد امتدت الثورة في يومها الخامس إلى سائر أنحاء فلسطين، وعنت المدن والقرى والبادية. وأخذت الثورة تشتد وتتسع نطاقاً يوماً بعد يوم. وأثارت أبناء المعارك الضارية والاصطدامات الشديدة بين المجاهدين والأعداء حماسة الجماهير، في حين رفعت انتصارات المجاهدين المتوالية معنويات الشعب وضاعفت استعداده للبذل والعطاء، فالتحق الكثيرون من الرجال والشبان، ولاسيما في القرى، بالمجاهدين واشتركوا في المعارك تحت قيادة جيش الجهاد المقدس، فلم يعد العمل المسلح مقتصراً على المنتظمين في تشكيلاته. تركزت المعارك والاصطدامات خلال الشهر الأول في لواء القدس (القدس* – الخليل* – بيت لحم* – أريحا* – رام الله*) ولواء نابلس (نابلس* -جنين* – طولكرم*)، في حين اتسعت الاصطدامات واشتدت المناوشات في أقضية يافا واللد والرملة. ووقعت في المدن الكبرى وبعض القرى سلسلة من الأعمال المسلحة. وبدأ الشهر الثاني للثورة بامتداد المعارك العنيفة وحرب العصابات إلى جميع ألوية فلسطين وأقضيتها، فغدت الثورة في الواقع ثورة الشعب الفلسطيني برمته. ثم طرأ تطور في ميدان المقاومة بدخول فوزي القاوقجي وقواته إلى منطقة المثلث من ناحية، ويتدفق المتطوعين من الأردن وسورية ولبنان على فلسطين وانضامهم إلى الجهاد المقدس من ناحية أخرى. وقد تأثر الشعب كثيراً بهذه التطورات، وتضاعفت حماسته، وأحالها في شهرها الثالث إلى معارك عسكرية مكشوفة مع القوات البريطانية في شتى أنحاء فلسطين. وهجمات مركزة على المستعمرات الصهيونية وطرق المواصلات ومخافر الشرطة. ومما هو جدير بالتسجيل أن دخول قوات القاوقجي في معارك عنيفة مع القوات البريطانية في قرى منطقة المثلث (مثل قرى بلعة* وجبع وبرقة وزيتا* ودير شرف وعرابة* وغيرها) رفع معنويات الشعب وحفز الجميع إلى المساهمة في أعمال الثورة. وكان الإنكليز والصهيونيين يعتقدون في بادىء الأمر أن الاضراب العام لن يستمر طويلاً، وأن الثورة ليست سوى فترة آنية لا تلبث أن تهدأ وتخبو، فلما تبين لهم عكس ما كانوا يعتقدون أنطلقوا يرتكبون أبشع المظالم من أعمال القتل والاجرام والإرهاب والعسف والقهر ضد العرب. ولكن الفلسطينيون واصلوا الجهاد، ولم تضعفهم عمليات السلطات الصهيونية بنسف القرى وتدمير الأحياء والبيوت واعتقال المئات من المواطنين. وكان من أبشع ما لجأ إليه الإنكليز من تدابير نسفهم بلدة يافا القديمة. ولمناسبة مرور مائة يوم على إعلان الاضراب العام الذي كان قد بلغ أوج قوته وقعت في جميع أنحاء فلسطين معارك عنيفة طوال هذا اليوم وليله تجرأ خلالها المجاهدون على مهاجمة مدن القدس ويافا* والخليل وغزة* وبئر السبع* وعكا* وصفد* ومحاولة احتلالها. وفي الوقت نفسه أتسعت أعمال المجموعات “السرية” داخل المدن، وأخذت تغتال الموظفين البريطانيين وضباط الجيش والشرطة والجواسيس وباعة الأراضي والسماسرة، وتلقي المتفجرات على دوائر الحكومة. وفي هذه المناسبة أيضاً خرجت النساء العربيات في شتى مدن فلسطين في مظاهرات صاخبة ضد الإنكليز، ووقعت اصطدامات دموية بين القوات البريطانية والنساء الفلسطينيات. وقد أقضت مضاجع الإنكليز واليهود هذه الحوادث، وجعلتهم في حالة من الذعر، وفي خشية من أن يتمكن الثوار من احتلال بعض المدن والقرى الكبيرة بعد أن فقدت الحكومة أية سلطة فعلية على أقسام واسعة من الريف والبادية. فأعلنت الحكومة البريطانية حالة الحصار (حالة الحرب) في فلسطين، وقررت وضع القوانين الدفاع* وقوانين الطوارىء* موضع التنفيذ، وراحت تطبقها على العرب بوحشية وقسوة. لكن الحكومة البريطانية شعرت بعجزها عن وقف الثورة وإنهاء الاضراب العام فلجأت إلى خطة المراوغة والتضليل، وأعلنت أنها قررت ايفاد “لجنة ملكية” للتحقيق في قضية فلسطين وشكاوى الأهلين ووضع التوصيات لحل القضية حلاً عادلاً. كذلك وسطت الحكومة البريطانية بعض أقطاب العرب وحكامهم (ولاسيما المعروفين بصداقتهم لبريطانيا) لإقناع عرب فلسطين ووقف الثورة. وحضر بعضهم إلى فلسطين ليجدوا اضراراً عظيماً من العرب على الاستمرار في الثورة حتى تحقيق مطالبهم. وعندما أيقنت الحكومة أن الفلسطينيين لن يلينوا، وأنهم مصممون على مواصلة الثورة والاضراب، أقالت القائد العام للقوات البريطانية في فلسطين وعدداً من ضباطه، وعينت الجنرال ديل رئيس أركان جيوش الامبراطورية البريطانية لتولي القيادة العامة في فلسطين، وأطلقت بدء العمل دون قيد أو شرط. فاستحضر الجنرال ديل إلى فلسطين قوات عسكرية ضخمة نقلت بحراً وبراً وجواً من بريطانيا نفسها. ومن قواعده العسكرية في مالطة وقبرص وقناة السويس والحبانية (العراق). وبلغ عدد القوات البريطانية في النصف الأول من شهر آب 1936 في فلسطين أربع فرق كاملة (أي أكثر من سبعين ألف ضابط وجندي). بالإضافة إلى نحو أربعين ألف رجل من قوات الشرطة* النظامية والإضافية قوة حدود شرق الأردن وحرس المستعمرات اليهودية. ووضع الصهيونيون قوات الهاغاناه* والمنظمات “السرية” الإرهابية تحت تصرف القيادة البريطانية. وصمد العرب في وجه هذه القوى الضخمة، وانتصروا في المعارك التي حاصرها ضد قوات الجنرال ديل، واستولوا على مساحات أخرى من الريف والبادية. عندئذ اضطرت الحكومة البريطانية إلى سحب الجنرال ديل وولت الجنرال ويضل القيادة العامة. فرافقه الفشل نفسه، فاستبدلت به الحكومة الجنرال رتشي وأرسلت امدادات عسكرية جديدة، ولكن دون جدوى فسحبت الجنرال رتشي وعينت الجنرال ماكميلان بدلاً منه. ولكن هذه الأعمال والجهود ذهبت أدراج الرياح، وبقيت الثورة مشتعلة الأوار طوال شهري آب وأيلول 1936، دون ما مهادنة أو ضعف. حيال الفشل المتواصل الذي حلق بجميع الجهود والاجراءات التي اتخذتها بريطانيا لوقف الثورة لجأت هذه إلى ملوك العرب ورؤسائهم وأمرائهم للتوسط لدى اللجنة العربية العليا لفلسطين لفك الاضراب ووقف الثورة متعهدة لهم أن تعمل على إنصاف عرب فلسطين. وبعد اتصالات ومشاورات أجراها الملوك والرؤساء والأمراء، وجهوا رسالة إلى رئيس اللجنة العربية العليا لفلسطين لفك الاضراب وإنهاء أعمال العنف. ونزل الفلسطينيون عند نداء الزعماء العرب فأوقفوا الاضراب والثورة في 13/10/1936. وكان قد مضى على هذا الاضراب 176 يوماً وعلى الثورة المسلحة 164 يوماً (رَ: نداء الملوك والرؤساء العرب للشعب الفلسطيني). عادت الحياة إلى مجاريها الطبيعية، وبشكل يدل على حسن التنظيم ووعي الشعب، فور صدور بيان من اللجنة العليا بذلك الاضراب، وعاد القاوقجي وقواته إلى العراق عبر أراضي شرقي الأردن، ورجع المتطوعون العرب إلى ديارهم بصورة سرية تجنباً لغدر الإنكليز بهم. أما المجاهدون الفلسطينيون فإنهم عادوا إلى مدنهم وقراهم بعد أن أخفوا أسلحتهم في مخابىء معدة لهذا الغرض، وكأن شيئاً لم يحدث في البلاد. ورؤي، تجنباً لغدر الإنكليز وملاحقاتهم، أن يلجأ إلى سورية ولبنان والعراق كبار قادة الثورة، وكان منهم على سبيل المثال عبد القادر الحسيني، وحسن سلامة*، وحنا خلف، وعبد الحليم الجيلاني، وعبد الرحيم الحاج محمد*، وعشرات غيرهم. 2)     المرحلة الثانية (تشرين الأول 1936 – أيلول 1937) طغى على هذه المرحلة في أشهرها الأولى طابع الصراع السياسي بين العرب وأعدائهم، ثم تطورت الأوضاع في تموز 1937، ووقع من الحوادث ما أدى إلى استئناف الثورة في تشرين الأول 1937. وفيما يلي موجز للأحداث والتطورات التي برزت في المرحلة الثانية للثورة. (1)  بعد وقف الثورة وفك الاضراب انصرف الفلسطينيون إلى الحياة العامية، وانطلقوا يحاولون ترميم أوضاعهم الاقتصادية: التجارية والصناعية والزراعية، في حين لجأت القيادة السياسية إلى بذل أقصى الجهود للإبقاء على وحدة الصف وتوعية الشعب وتحذيره من تقلبات سياسية ومؤامرات أجنبية جديدة. وفي الوقت نفسه انطلقت اللجنة العربية العليا لفلسطين تعد العدة للدفاع عن قضية فلسطين وطالب أهلها أمام اللجنة الملكية البريطانية للتحقيق (لجنة بيل*). أنهت اللجنة الملكية أعمالها في أواخر كانون الثاني 1937 وعادت إلى لندن حيث عكفت على إعداد تقريرها. وفي أواخر حزيران 1937 أشارت الأنباء الخارجية إلى أن اللجنة الملكية ستوصي بتقسيم فلسطين. فأذاعت اللجنة العربية العليا لفلسطين بياناً على الشعب أكدت فيه رفضها للتقسيم، ودعته إلى مقاومته. وفي مطلع شهر تموز 1937 عمت فلسطين مظاهرات صاخبة ضد التقسيم، ووقعت اصطدامات دامية بين العرب والأعداء في نابلس ويافا والقدس وعكا. (2)   وكان الصهيونيين قد قاموا خلال شهري آذار ونيسان 1937 بسلسلة من الأعمال الإرهابية الإجرامية ضد بعض القرى العربية، فرداً عليهم العرب فوراً وأجبروهم على الاقلاع عن اعتدائهم. وفسر العرب هذه الأعمال الصهيونية الإرهابية بأنها جرت بتوجيه من بريطانيا لتخويف العرب وإرهابهم ودفعهم إلى القبول بقرار التقسيم عند صدوره. (3)   نشرت الحكومة البريطانية تقرير اللجنة الملكية يوم 7/7/1937، وقد أوصت فيه بإنشاء دولة يهودية في أقسام من فلسطين، ووضع القدس وما حولها وحيفا* ومنطقتها تحت انتداب بريطانيا الدائم، وضم المناطق الباقية من فلسطين إلى شرق الأردن. وأذاعت الحكومة البريطانية في اليوم نفسه بلاغاً رسمياً تعلن فيها تبينها للتقسيم، وأعلنت أمام مجلس العموم البريطاني أنها تتعهد بتنفيذ مشروعه (رَ: تقسيم فلسطين). (4)  عقدت اللجنة العربية العليا لفلسطين في 9/7/1937 اجتماعاً طارئاً اشترك فيه ممثلون عن اللجان القومية تقرر فيه إعلان رفض العرب للتقسيم، وللسيادة البريطانية الجديدة. وأذاع رئيس اللجنة بياناً على الشعب يدعوه فيه إلى التمسك بالمطالب الوطنية ومقاومة التقسيم حتى يُقضي عليه. وعمت فلسطين المظاهرات والاصطدامات وتبين للحكومة أن الشعب الفلسطيني سيعود إلى السلاح والجهاد. (5)   اشتدت نقمة الأعداء على رئيس اللجنة العربية العليا لفلسطين المفتي أمين الحسيني واتهموه بأنه المسؤول عن إشتعال نيران الثورة، فقرروا اعتقاله وإبعاده إلى جزيرة موريشوس في المحيط الهندي. وفي 19/7/1937 داهمت قوة من رجال الجيش والشرطة دار اللجنة العربية العليا للقبض على المفتي. ولكنه فوت على الأعداء هذه الفرصة فغادر دار اللجنة قبل وصول القوة البريطانية ولجأ إلى المسجد الأقصى. (6)   بعثت اللجنة العربية العليا لفلسطين عدة وفود سياسية ودينية إلى أوروبا وأمريكا والبلاد العربية والإسلامية للدعاية لقضية فلسطين وشرح موقف أهلها من التقسيم وأسباب رفضهم له. ونشطت اللجان القومية الرياضية والكشفية والثقافية والدينية في حقل التوعية الوطنية وإعداد الشعب للاقبال على استئناف الجهاد في الوقت الذي يعلن فيه. كانت قيادة الثورة الفلسطينية واثقة بأن الأعداء لن يتخلوا عن سياستهم، ولن يرجعوا عن مؤامراتهم، كما كانت مقتنعة بأنه لا مناص من استئناف الثورة لاكراه بريطانيا على تلبية مطالب العرب، وانطلقت تعمل لذلك بسرية وكتمان. عمل المسؤولون خلال المرحلة الثانية للثورة على إعادة تنظيم المجاهدين وتدريبهم ومدهم بالعتاد والسلاح، وتنظيم جباية مستقرة لدعم الجهاد. وعملوا على إعادة تشكيل اللجان الوطنية في البلاد العربية لجمع المال والسلاح والعتاد. وأوفد المسؤولون عدداً من أبطال الجهاد وكبار قادته إلى العراق وألمانيا حيث التحقوا بدورات عسكرية في المعاهد العسكرية وتلقوا تدريباً خاصاً على إعداد المتفجرات والألغام وحرب العصابات. وتطورت الأوضاع في فلسطين بشكل سريع بعد إعلان قرار التقسيم ولجوء المفتي إلى الحرم الشريف. فقد اشتدت المقاومة الشعبية للتقسيم، ووقعت خلال شهري آب وتموز 1937 عدة اصطدامات بين العرب والأعداء، واتسعت الهجمات العربية على المستعمرات الصهيونية وثكنات الجيش والشرطة. أما الحكومة البريطانية التي لم تأبه اطلاق لشعور الفلسطينيين ورغائبهم فإنها راحت تمعن في اضطهادها للوطنين، وتتمادى في اتخاذ التدابير والإجراءات الضرورية لتنفيذ قرار التقسيم مهما كلفها الأمر. ونظراً لأهمية لواء الجليل (شمال فلسطين) بالنسبة إلى مشروع التقسيم الذي قرر أن يكون القسم الأكبر منه ضمن الدولة اليهودية فإن الحكومة عينت أحد غلاة الاستعماريين البريطانيين، وهو لويس أندروز، حاكما لواء الجليل، وأطلقت بدء العمل على تنفيذ التقسيم. وفيما كان أندروز يضاعف جهوده ومساعيه لتنفيذ قرار التقسيم، ويمعن في اضطهاده للعرب، ويهزأ بمقاومتهم، اغتاله المجاهدون في مدينة الناصرة في 31/9/1937 مع مرافقه البريطاني. وفي اليوم التالي لاغتيال أندروز وقعت هجمات عنيفة على المستعمرات الصهيونية ورجال الجيش والشرطة. صعدت بريطانيا أعمالها العدوانية القمعية وضاعفت بطشها بالعرب اثر اغتيال أندروز وما تبعه من أحداث محاولة القضاء على مقاومتهم للتقسيم، فأعلنت حالة الطوارىء في البلاد، وانطلق المسؤولون عن الحكم يعتقلون الألوف من العرب، ويطبقون أنظمة الطوارىء وقوانين الدفاع على القرى العربية بقسوة متناهية. وأذاعت الحكومة البريطانية بياناً رسمياً أعلنت فيه أنها تعتبر الحاج أمين الحسيني مسؤولاً عن إشعال نار الثورات وتوجيه أعمال التمرد والعصيان والإرهاب، وأن اللجنة العربية العليا لفلسطين مشاركة في أعمال العنف والإرهاب. وعقبت الحكومة بحل اللجنة العربية العليا لفلسطين واللجان القومية في البلاد وباعتبارها منظمات غير مشروعة. كما قررت عزل المفتي من رئاسة المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى، وعينت لإدارة المجلس لجنة ثلاثية برئاسة كركبرايد البريطاني. حاولت الحكومة اعتقال رئيس وأعضاء اللجنة العربية العليا فلم تستطع الوصول إلى الحرم الشريف، ولكنها ألقت القبض على أربعة من أعضاء اللجنة هم حسين فخري الخالدي* وأحمد حلمي عبد الباقي* وفؤاد سابا ويعقوب الغصين* ونفتهم مع بعض الزعماء الوطنيين الأخرين – ومنهم رشيد الحاج إبراهيم* الزعيم المعروف في حيفا – إلى جزر سيشيل. أما بقية أعضاء اللجنة العليا فقد استطاعوا الاختفاء داخل فلسطين ثم الانتقال سراً إلى لبنان. كذلك اعتقلت الحكومة معظم أعضاء اللجان القومية و 819 شخصاً من رجال الدين وقضاة الشرع والوعاظ والأطباء والتجار والمحامون والصحفيين وغيرهم، فضلاً عن مئات آخرين قبضت عليهم اثر اغتيال أندروز. وتوترت الحال في فلسطين، واشتدت المقاومة رغم تدابير السلطة واجرائاتها. وشددت الحكومة الحصار على الحرم الشريف وضاعفت مراقبتها للمفتي وتحركاته وشددت مساعيها لاعتقاله، لكن الحاج أمين استطاع الخروج سراً من المسجد الأقصى ومغادرة فلسطين إلى لبنان في 13/11/1937. وبعد مدة من وصوله إليه، استأنف نشاطه السياسي والنضالي، وغدت بيروت مقراً للجنة العربية العليا لفلسطين. استطاع الحاج أمين، رغم المراقبة الشديدة التي فرضها عليه الفرنسيون في لبنان، أن ينشر بياناً في الصحف العربية أكد فيه رفضه لمشروع التقسيم وتمسكه المطلق بمطالب الشعب المعروفة، ودعا فيه الشعب الفلسطيني إلى مقاومة السياسة البريطانية ومحاربة مشروع التقسيم حتى القضاء عليه. ووزع هذا البيان في داخل فلسطين يوم 29/10/1937 فاعتبره الفلسطينيون دعوة إلى استئناف الثورة المسلحة. واستؤنفت الثورة فكانت مرحلتها الثالثة. 3)  المرحلة الثالثة (تشرين الأول 1937 – أيلول 1939): تميزت هذه المرحلة الثالثة من 1936 – 1939 بالحقائق التالية: (1)       لم تعد القدس المركز الرئيس للقيادة الوطنية، إذ انتقل نشاط اللجنة العربية العليا والكثيرون من أعضاء اللجان القومية وزعماء الشباب إلى بيروت فغدت هي المركز الرئيس للقيادة الوطنية الفلسطينية. (2)       والاعتبارات كثيرة، وظروف سياسية مختلفة، اختيرت دمشق لتكون مركزاً ومصدراً لتموين الثورة ومد المهاجدين بالسلاح والعتاد والمال. وتألقت للقيام بهذه المهمة لجنة ذات طابع سري من عدد من السوريين والعراقيين والفلسطينيين. وكانت هذه اللجنة تصرف أعمالها وتضطلع بواجباتها بتنسيق وتعاون وثيقين مع اللجنة العربية العليا لفلسطين في بيروت. (3)       اقتصرت أعمال الجهاد في الداخل في هذه المرحلة على الفلسطينيين أنفسهم، فلم تدخل فلسطين قوات شعبية منظمة من الخارج (مثل قوة فوزي القاوقجي في المرحلة الأولى)، ولكن أعداداً من المتطوعين من الأردن والعراق وسورية ولبنان دخلوا فلسطين وانضموا إلى المجاهدين الفلسطينيين بقيادة عبد القادر الحسيني. (4)       كانت معارك الثورة في مرحلتها الثالثة أشد عنفاً وتركيزاً من معارك المرحلة الأولى. وكانت أكثر اتساعاً حتى شملت كل بقاع فلسطين. وظهر قادة جدد للمجاهدين، ولا سيما في مناطق فلسطين الشمالية، أبلوا بلاءاً حسناً في التنظيم والقتال وحروب العصابات. وكانت الكفاءة في القتال والتنظيم في هذه المرحلة أظهر منهما في المرحلة الأولى. (5)       كانت المقاومة في داخل المدن أكثر حدة وشدة من المقاومة التي ظهرت في هذه المدن خلال المرحلة الأولى للثورة، فقد توالت أعمال اغتيال موظفي الحكومة الإنكليز والمتعاونين مع السلطة وباعة الأراضي والسماسرة والجواسيس، واشتدت هجمات المقاومة على دوائر الحكومة وتدميرها وإحراقها. (6)       لم تضرب فلسطين في المرحلة الثالثة كما أضربت في المرحلة الأولى للثورة. وهذا الواقع سهل للشعب بذل الجهود والقيام بالأعمال لدعم المجاهدين ومساعدتهم، ومكن قيادة الثورة من الحصول على المعلومات والأنباء من مساعي السلطة وتحركات قواتها المسلحة والمنظمات الصهيونية الإرهابية. (7)       وقعت في البلاد معارك عسكرية ضخمة كان بعضها يستمر بضعة أيام بين المجاهدين والجيش البريطاني. واتخذت هذه المعارك طابع المعارك الحربية، وقد قام المجاهدون بهجمات عسكرية منظمة على المدن، واستطاعوا احتلال بعضها ورفع العلم العربي مكان العلم البريطاني. ومن المدن التي احتلها المجاهدون القدس القديمة، عكا، وبئرالسبع، والخليل، وبيت لحم، وبيت ساحور*، والمجدل*، والفالوجة، ولم يخرجوا منها إلا بعد معارك ضارية مع القوات البريطانية التي كان تعزيزها مستمراً. وتمكن المجاهدون من السيطرة التامة على أكثر من نصف مساحة فلسطين (الريف والبادية) ومن التحكم الكامل بطرق المواصلات الرئيسة طوال هذه الثورة. (8)       اتسعت في هذه المرحلة الهجمات الفلسطينية المركزة على المستعمرات الصهيونية، ولا سيما في لواءي القدس وغزة، وتكبدت هذه المستعمرات خسائر مادية فادحة، في حين هلك الكثيرون من حراسها الصهيونيين ومن أفراد المنظمات العسكرية الصهيونية الإرهابية. (9)       ولوحظ خلال هذه المرحلة من الثورة قيام المجاهدين بأعمال النسف والتدمير وتفجير المتفجرات في الأوساط الصهيونية والدوائر الرسمية بشكل دل على أنهم قضوا المرحلة الثانية وهم يتدربون على هذه الأعمال. (10)  الناحية السياسية: حدثت خلال هذه المرحلة أحداث وتطورات سياسية ودبلوماسية هامة سواء على المستوى الدولي أو في المجال العربي العام. وكانت أبلغ هذه التطورات: –      انكشاف الستار عن تأييد الولايات المتحدة الأمريكية، رئيساً وشعباً وحكومة، للصهيونيين والانتداب البريطاني وحرصها على أن تتوفر أسباب الدفاع الحقيقي عن الكيان اليهودي في فلسطين كما كان قائماً يومئذ، ومساهمتها الفعالة في دعم العصابات الصهيونية المسلحة، والاضطلاع بدعاية عالمية لصالح الصهيونيين ومخططاتهم. –      ثورة الرأي العام العربي بخاصة والرأي العام الإسلامي بعامة، وتوثب شعور العرب والمسلمين لتأييد ثورة فلسطين والعمل لصالح القضية الفلسطينية. وقد أدت ثورة الرأي العام العربي إلى توحيد الصف في الدول والأوساط العربية، ووقوفها كلها إلى جانب تأييد الميثاق الوطني الفلسطيني وما اشتمل عليه من مطالب. كذلك قضت الثورة على كل ما كان قائماً بين الدول العربية من اختلاف وتباين رأي قضية فلسطين وكيفية حلها. –      دخول، وربما إدخال، الدول العربية فريقاً أساسياً ومباشراً في قضية فلسطين والدفاع عنها. وقد برزت هذه الحقيقة في دعوة الحكومة البريطانية الدول العربية للمساهمة في الجهود المبذولة لتسوية قضية فلسطين، وللاشتراك إلى جانب الوفد الفلسطيني في مؤتمر المائدة المستديرة الذي عقد في لندن عام 1939 (رَ: لندن، مؤتمر – 1939). –      ومن الأحداث والتطورات السياسية والدبلوماسية الهامة خلال المرحلة الثالثة للثورة اضطرار بريطانيا، تحت ضغوط الثورة والجبهة الفلسطينية الداخلية الموحدة وتأثير الرأي العام العربي والإسلامي، إلى العودة للاعتراف باللجنة العربية العليا لفلسطين، ودعوتها للاشتراك في مؤتمر المائدة المستديرة السابق ذكره بوصفها الممثلة الوحيدة للشعب الفلسطيني. –      اضطرار بريطانيا، بعد عجزها عن القضاء على الثورة وتعاظم الخسائر التي كانت تتكبدها القوات البريطانية على أيدي المجاهدين، إلى العدول عن قرار التقسيم (تقرير لجنة اللورد بيل) وعقد مؤتمر المائدة المستديرة للبحث في الوصول إلى حل لقضية فلسطين. حققت هذه الثورة للفلسطينيين وللعرب انتصارات سياسية وديبلوماسية كبيرة ، فضلاً عن الانتصارات العسكرية، وأحالت قضية فلسطين عملياً إلى قضية عربية عامة، وقضية إسلامية. و- التنظيم العسكري: جرت محاولات تنظيم النشاط العسكري أثناء الاضراب الكبير بهدف توحيد الجهود وتحقيق الحد الأقصى من الفاعلية والتأثير. وقد أدى أعضاء تنظيم الشيخ القسام السريون الذين تمكنوا من تجنب عمليات التطويق البريطاني ونجحوا في تأمين قواعد لهم في الجبال، أدوا دوراً بارزاً في التحريض على إشعال الثورة والإعداد التنظيمي والعسكري لها مستغلين حالة الغليان التي عاشتها الجماهير، وأدت إلى إعلان الاضراب الكبير. ولم يتوقفوا عن العمل الثوري في صفوف طبقات الشعب كافة، وخاصة طبقة الفلاحين، ودعوتهم للجهاد من أجل قضية العرب الكبرى. وقد حافظ العمل العسكري خلال عام 1936 إلى حد ما على التنظيم، لكن العفوية تغلبت على معظمه حتى خريف 1937 وبداية 1938 عند اشتعال الثورة مرة أخرى وشمولها قطاعات الشعب الفلسطيني كافة. وكان للتجارب الكثيرة التي مر بها القادة والثوار، واكتسبوا خلالها خبرة أوسع من ناحية القتال والتدريب، أثر كبير في تطوير التنظيم نحو الأفضل، مما جعل الثورة على مستوى أعلى من الدقة والتنظيم. وفي عام 1938 تم تنظيم القيادة العسكرية على الشكل التالي: 1)  القيادة العامة: اتخذت قادة الثورة من مدينة دمشق مقراً سرياً لصعوبة بقائها في فلسطين في تلك لفترة نتيجة ضغط ومراقبة السلطات. وتكون المجلس القيادي من القائد العام ومن عدد من المساعدين هم غالباً رؤساء فروع الشؤون الإدارية والمخابرات والإعلام، بالإضافة إلى قادة المناطق. كما تم تعيين عدد من قدامى المحاربين السوريين ممن عملوا في الثورة السورية (1925 -1927) مستشارين للقائد العام. 2)  قيادة المناطق: خضعت جبهات القتال في فلسطين لقيادات مناطق رئيسة كانت كل منها قيادة ميدانية للثورة في غياب القيادة العسكرية العامة في دمشق، وقد تم توزيعها على الشكل التالي: (1)   المنطقة الشمالية: وتمتد من جبل الكرمل* في الجنوب إلى حدود سورية ولبنان في الشمال ومنطقة طبرية وسمخ* في الشرق. وتعتبر هذه المنطقة بسبب وعورتها ملائمة لحرب العصابات. (2)   منطقة نابلس: وتشمل أقضية نابلس وطولكرم وجنين وساحل حيفا. وتعتبر هذه المنطقة نموذجية لحرب العصابات* لوعورتها وصعوبة مسالكها. (3)   المنطقة الوسطى: تشمل أقضية يافا واللد والرملة. (4)   منطقة القدس: وتشمل أقضية القدس والخليل ورام الله وبيت لحم. أما المناطق الجنوبية من فلسطين فلم يكن فيها قادة مناطق لأنها أراض زراعية أو صحراوية لا تصلح لتنقل رجال العصابات. ووضعت قيادات محلية في غزة والمجدل وبئر السبع وخان يونس تنفذ أوامر القيادة العامة وتتعاون مع قيادتي منطقتي القدس ونابلس في بعض الأحيان. 3)     مسؤوليات قادة المناطق: تألقت المنطقة الرئيسة من عدد من المناطق المحلية تضم كل منها بين 150 – 200 ثائر موزعين إلى فصائل يتألف كل فصل من 15 مقاتلاً في المتوسط منهم فصيل القيادة. وقد حددت اختصاصاتها بالإشراف على القطاعات المحلية وشؤون الأمن فيها بالإضافة إلى الاشتراك في المعارك الرئيسة وكانت الإدارة البريطانية في المناطق الجبلية، باعتراف الجنرال هاينع القائد العام للقوات البريطانية، “غير موجودة على الإطلاق”. وقد أظهرت دراسة تناولت 282 قائداً عسكرياً ممن تولوا مختلف المناصب في الثورة أن 65% منهم كانوا فلاحين و3% استقروا في المدن، و22% من سكان المدن، و8% من البدو، وأن الباقين دانوا من الدول العربية المجاورة. وقد قامت الثورة على تحالف الطبقات والقوى الوطنية المعادية للاستعمار والصهيونية، وهي: العمال والفلاحون والبرجوازية الوطنية والجناح المستنير من كبار الملاك. إن نظرة إلى الأسماء التي أوردها صبحي ياسين*، وهو أحد الثوار، في كتابه “الثورة العربية الكبرى في فلسطين” تظهر بجلاء هوية قادة المقاتلين وأصولهم الاجتماعية والطبقية. فهم في معظمهم إما فلاحون فقراء وإما من فقراء المدن المنحدرين من أصول ريفية. ز- قوات الثورة: ليس من السهل الحصول على رقم دقيق لعدد الثوار المتفرغين الذين عملوا خلال فترة الثورة. ولكن بعض المصادر العربية تقدر عدد الثوار الذين اشتركوا في ثورة 1936 – 1939 بما يراوح بين تسعة وعشرة آلاف ثائر. من هذا العدد ثلاثة آلاف ثائر تفرغوا لأعمال العصابات، وألف ثائر تفرغوا للعمل في المدن. أما الباقون فكانوا من سكان القرى والبادية الذين لم يتفرغوا للقتال، بل كانوا يمارسان أعمالهم الخاصة، ولكنهم يقومون بنجدة الثوار عند نشوب المعارك بالقرب من قراهم وأماكن سكنهم. أما السلطات البريطانية فقدرت قوة الثوار المتفرغين للقتال بين ألف وألف وخمسمائة مقاتل يساعدهم عدد كبير من المتطوعين من سكان المناطق المجاورة كانوا يذوبون بين الجماهير إثر كل معركة بعد أن يخفوا ملابسهم وسلاحهم، ويعودون لممارسة أعمالهم العادية. وقرت مصادر أخرى (باحثون بريطانيون) عدد الثوار عام 1936 بخمسة آلاف بين متفرغ وشبه متفرغ، ثم قفز الرقم إلى خمسة عشر ألفاً في عام 1938. ومن هنا تبدو تقديرات المصادر العربية لقوة الثوار معقولة بالمقارنة مع تقديرات المصادر البريطانية المختلفة، هذا إذا اضيف إلى عدد الثوار المتفرغين أولئك الذين يعملون إلى جانبهم من سكان القرى المجاورة، والذين سموا “بالفزيعة”. وقد قام هؤلاء الثوار غير المتفرغين بعمليات لا تقل في جرأتها عن تلك التي قام بها الثوار المتفرغون، مثل نسف وتخريب طرق المواصلات، ونفذوا الكثير من المهام القتالية كالإغارة على المستعمرات الصهيونية ومراكز الشرطة، وإشعال العدو بمعارك جانبية لتخفيف الضغط عن قوات الثورة أثناء اندلاع المعارك الكبيرة، وشن معارك الإلهاء لتوزيع وتشتيت جهود العدو على جبهات مختلفة عند القيام بهجوم أو عملية حربية كبيرة، وحماية مؤخرة وحدات الثوار عند الهجوم على الدوريات والمستعمرات والمعسكرات التابعة للجيش البريطاني، وتأمين نقل الذخائر والتموين للثوار المتمركزين في قواعد ثابتة في الجبال والمناطق الوعرة، وذلك بالتنسيق مع القيادات المحلية. ح- التسليح: تكونت الأسلحة التي استخدمها الثوار خلال هذه الفترة من خليط غريب ومتنوع من البنادق والمسدسات يمكن وصفها بأنها قديمة الطراز وغير فعالة إذا قورنت بالأسلحة التي استخدمتها القوات البريطانية والمنظمات الصهيونية. وقد كان لذلك أثر كبير في إبقاء معظم عمليات الثوار مقتصرة على الكمائن والغارات وعمليات القنص. ومن الثابت أنه لم تكن هناك خطة عامة للتسليح في البداية، وهي الفترة التي انطلقت فيها الثورة بعفوية جماهيرية. استخدم الثوار في البداية بنادق كانت تحتفظ بها الأسر للدفاع عن النفس وتم الحصول عليها قبل الحرب العالمية الأولى من الجيش التركي ومن مصادر أخرى. واستخدموا أيضاً بنادق من صنع كندي وفرنسي وياباني وروسي وإنكليزي وألماني. وكذلك أسلحة تم تركيبها بطريقة لا تخلو من الخيال والابداع من قطع غيار مختلفة لبنادق متنوعة. وفي إحدى العمليات استولت القوات البريطانية على بندقية برتغالية مصنوعة في القرن الثامن عشر. ولكن القسم الأكبر من الأسلحة تم الحصول عليه من مخلفات القوات التركية المنسحبة أثناء الحرب العالمية الأولى، أو تم تهريبه عن طريق البحر وعبر الحدود من الأردن وسورية ولبنان. وفي فترة لاحقة، وبالتحديد بعد وصول القاوقجي إلى فلسطين، استخدم الثوار الرشاشات على نطاق ضيق في منطقة نابلس بعد أن غنموا بعضها من البريطانيين. أما المدافع فلم تكن موجودة على الإطلاق. ومن الظواهر المعبرة والمؤثرة فيما يتعلق بموضوع الأسلحة ذلك التعاون الذي كان يحدث بين إخوة السلاح. فالأسلحة التي استخدمت في ثورة 1936 في فلسطين هي نفسها التي استخدمت في ثورة 1925 في سورية ثم نقلت إلى فلسطين بعد ذلك. وقد كانت قوة الشرطة الفلسطينية (1.500 شرطي) مصدراً سهلاً لإمداد الثوار بالبنادق. أما الذخيرة التي استخدمها الثوار فقد كانت مستودعات الجيش البريطاني والشرطة مصدرها الرئيس. وكان بعضها ظروفاً فارغة تم جمعها وتعبئتها يدوياً، أو جرى الاستيلاء عليها خلال المعارك مع القوات البريطانية، أو شراؤها من بعض أفراد تلك القوات، بالإضافة إلى قسم كبير تم تهريبه من المناطق المجاورة. واستخدم الثوار أيضاً كميات كبيرة من القنابل اليدوية البريطانية من نوع “ميلز36″، وقاموا بتصنيع قنابل يدوية أفادوا منها بشكل واسع في عمليات المدن. وحول الثوار أيضاً قذائف مدفعية استولوا عليها من بعض معسكرات الجيش البريطاني إلى ألغام نسفوا بها خطوط السكك الحديدية والطرق والجسور. ط- الاستراتيجية والتكتيك: لا بد لكل من يدير حرباً أو عملية استراتيجية أو تكتيكية من دراسة مبادىء الحرب الثورية وقوانينها واستيعابها، مثلها مثل أي حرب أخرى. فالشعب الفلسطيني الذي خاض حرباً ثورية دامت أكثر من ثلاث سنوات كان يعيش ظروفاً معقدة وصعبة جداً، مما أثر في العمل الحربي وطبيعته، وبالتالي نتيجته. وقد عجزت قيادات ثورة 1936 – 1939 عن فهم المبادىء والقوانين الخاصة بذلك العمل، وكيفية القيام به بالشكل المناسب، ومن ثم إتقانه. فالقادة الذين تولوا أمور القيادة طوال السنوات الثورة لم ينجحوا في رسم استراتيجية عسكرية واضحة وإن كانوا قد نجحوا في تطبيق أهم مبادىء حرب العصابات دون تطويرها إلى حرب نظامية أو متحركة، وذلك لعدم تمكنهم من قلب موازين القوى لصالح الثورة في النهاية. فعلى سبيل المثال لم تنجح الثورة إلا في تطبيق المرحلة الأولى من مجموع المراحل الثلاث التي يفترض أن تجتاز الحرب الطويلة الأمد حتى تنتصر، وهي المرحلة التي تقوم خلالها قوات الثورة بعمليات هجومية محدودة ضد قوات العدو. ولم تنجح في تطبيق المرحلتين الأخريين، وهما المرحلة التي يحافظ فيها العدو على وضعه الإستراتيجي استعداداً لصد هجمات الثوار الواسعة النطاق، والمرحلة التي تشن فيها الثورة الهجوم النهائي في الوقت الذي يبدأ فيه العدو تراجعه الأستراتيجي. في مقابل هذا مرت الثورة الفلسطينية بالمراحل التالية: 1)  المرحلة الأولى: الاضراب العام المصحوب بعمليات عسكرية في المدن والريف، أي العمل العفوي ومحاولة التنظيم. 2)  المرحلة الثانية: التركيز على العمل العسكري في الريف حيث وصلت الثورة إلى ذروتها بالعمل الثوري المنظم. 3)  المرحلة الثالثة: وهي العودة إلى المدن تحت ضغط القوات البريطانية، أي هبوط الثورة وخمودها. وبالرغم من كل الصعوبات التي واجهت الثورة نجح رجال العصابات في تطبيق المبادىء الأساسية لتلك الحرب مثل حشد قوات كبيرة أثناء مهاجمة نقطة معينة، والعمل بصورة سرية ونشيطة ومستمرة، وتطبيق المفاجأة في الهجوم، وإنهاء المعركة بسرعة خاطفة. ولعل أهم تلك المبادىء، وبإقرار المصادر العسكرية البريطانية، هو تجنب الاشتباكات الواسعة النطاق مع الجيش البريطاني، مما تمناه العدو مراراً وسعى له كي يتمكن من فرض المعركة في وقت وزمان مناسبين بهدف إلحاق أكبر الخسائر بالثوار. ي- العمليات العسكرية: جرى على أرض فلسطين، على مدى سنوات الثورة، الكثير من العمليات العسكرية والمعارك الكبيرة التي كان مسرحها الجبال وبعض المدن. وأهمها حسب السنين والمناطق والقيادات المختلفة: نور شمس 21/6/1936، والجاعونة 12/8/1936، وبلعة 3/9/1936، واليامون 3/3/1938، وبئر السبع 9/9/1938، وطبرية 3/10/1938، والقدس 17/10/1938. اتخذت العمليات العسكرية الأولى طابع العمل غير المنظم والارتجالي والخالي تقريباً من التخطيط الدقيق حتى أواخر آب 1936 عند وصول قوة عسكرية نظامية متطوعة يقودها الضابط فوزي القاوقجي، وتمركزها في الجبال المحيطة بنابلس. بلغ عدد العمليات التي نفذها الثوار العرب عام 1936 4.076 عملية منها 1.996 ضد الأفراد الصهيونيين، و985 ضد ممتلكاتهم، و 795 ضد الجيش البريطاني والشرطة، و380 عملية ضد وسائل المواصلات. وقد استشهد خلالها 224 ثائراً عربياً، وجرح 1.126 آخرون، وقتل من البريطانيين (في الجيش والشرطة) 33 وجرح 193. أما خسائر الصهيونيين فقد بلغت 80 قتيلاً و369 جريحاً. وقد اقتصرت تلك العمليات على قذف القنابل اليدوية وتصفية بعض العملاء في المدن، والقيام بعمليات القنص ضد معسكرات الجيش ومراكز الشرطة، ونصب الكمائن للقوافل الصهيونية ودوريات الجيش التي تواكبها، واشعال النيران في مزارع وممتلكات الصهيونيين. أما العمليات ضد وسائل المواصلات فقد عمت في تلك الفترة أنحاء البلاد امتداداً من المطلة شمالاً وحتى رفح جنوباً. وقد بلغت الخسائر المباشرة للحكومة البريطانية بسبب الاضراب حوالي 3.500.000 جنيه استرليني، عدا الخسائر التي نجمت عن توقف التجارة والسياحة إلى البلاد. ومن الواضح أن هذا التركيز على وسائل المواصلات البريطانية والصهيونية يعود إلى خطورتها وأهميتها بالنسبة إلى السلطات، وإلى كونها هدفاً سهلاً للثوار في وقت كانت فيه وسائل المواصلات العربية متوقفة تماماً بسبب الاضراب. وفي منتصف شهر أيار 1936 بدأ مركز النشاط العسكري ينتقل من المدن إلى المناطق الريفية والجبلية، وأصبحت جبال نابلس* والشمال وتلالها الحرجية الشديدة الانحدار أكثر المناطق غلياناً وجذباً للثوار. أما التكتيك الذي اتبع فكان تجمع زمر من الثوار وكمونهم في أحد سفوح الوديان، أو رؤوس الجبال المنيعة، ينتظرون مرور قافلة من السيارات، فإذا ما مرت أمامهم أطلقوا عليها النار ثم قفلوا مسرعين، كل إلى قريته أو بلدته حيث يخفون الأسلحة والعتاد في أمكنة آمنة، ويختلطون بسكان القرى وكأن شيئاً لم يحدث. وكان عدد أفراد الكمين يصل أحيانا إلى 200 رجل متفرغ وشبه متفرغ. وهذا الأسلوب القتالي الذي اتبع في البداية أسلوب خال من التخطيط العسكري الفني الذي يبنى عادة على معلومات دقيقة عن تحركات العدو ونياته. لكن حدث تغير جوهري في نوعية العمليات العسكرية ابتداء من شهر حزيران 1936 بعد تولي فوزي القاوقجي مهام القائد العام للثورة في فلسطين. فقد كتب الفايس مارشال بيرز في تقريره قائلاً: “لقد أظهر الثوار تصميماً أكثر في خوض العمليات، كما بدا واضحاً أن رجالاً عسكريين ذوي خبرة عالية بدأوا يخططون لها”. وكتب في التقرير نفسه أن “العصابات المسلحة التي تألقت في السابق من زمر يتراوح عدد الواحدة منها بين 15 و20 رجلاً قد أصبحت تتألف من زمر يتراوح عدد الواحدة منها بين 50 و70 رجلاً. وهي ليست عصابات للنهب، بل تمارس ما تعتقد بأنه حرب وطنية تدافع بها عن بلادها في وجه الظلم والتهديد بالسيطرة اليهودية”. 1)  عام 1936: بعد صدور بيان الملوك والرؤساء والأمراء العرب، والدعوة إلى وقف الأعمال القتالية، ولم تتوقف هذه الأعمال توقفاً كلياً. وقد اعترفت المصادر البريطانية بذلك ولاحظت أن حالة من “الهدنة المسلحة” عمت البلاد. فالمناطق التي انتشر فيها الثوار بقيت تحت سيطرتهم، واستمرت العمليات ذات الطابع الفردي كعمليات النسف والقفص والاغتيالات السياسية وقطع وسائل المواصلات بمختلف أنواعها. وقد وصلت تلك العمليات إلى ذروتها عندما نجحت إحدى خلايا القساميين العاملين في المنطقة الشمالية، بعد محاولتين سابقتين، في اغتيال حاكم منطقة الجليل لويس أندروز يوم 26/9/1937، وقتل مفتش الشرطة حليم بسطة في وقت سابق. ويعني ذلك أن قادة الثورة عاشوا حالة من الترقب والقلق بانتظار نتائج تحقيقات اللجنة الملكية (لجنة بيل)، ولم يسقطوا من حسبانهم الخيار العسكري. ولذلك حافظوا على درجة معينة من التوتر في جميع أنحاء فلسطين حتى يسهل الانتقال منها إلى الثورة وخوض القتال الفعلي عند الضرورة. ويبدو أن عملية تصفية حاكم الجليل الذي أدار الانتداب وفق الرغبات الصهيونية كانت إشارة لاستئناف الثورة منطلقة من المنطقة الشمالية. فقد أراد الثوار بذلك إفهام بريطانيا عملياً رفضهم القاطع لاقتراح لجنة بيل القاضي بتقسيم فلسطين وضم منطقتهم (الجليل) إلى الدولة الصهيونية التي اقترحت اللجنة إقامتها. وقد كانت الاندفاعة الثورية عام 1937 لدى جماهير الفلاحين أشد عنفاً من تجربة العام المنصرم، وذلك بسبب الخبرات المكتسبة، وبسبب ازدياد وضوح التناقض القائم بين أطراف الصراع. كما اتجهت هذه المرحلة من الثورة بصورة جوهرية ضد البريطانيين. وقد اتخذت الحكومة البريطانية على أثر ذلك إجراءات قمعية قاسية ضد المواطنين، فطوقت القوات البريطانية قراهم ودمرت الكثير من بيوتهم واعتقلت أبناءهم وفرضت عليهم غرامات باهظة، ولم تكن هذه الإجراءات القمعية جديدة أو مفاجئة للشعب الفلسطيني، فقد اعتادها منذ أيام الاضراب، ولذلك لم تحقق تلك الإجراءات، رغم قسوتها وشراستها، سوى المزيد من الاضرار على الاستمرار في الثورة حتى تحقيق المطالب العربية المشروعة. 2)  عام 1937: كان في فلسطين في عام 1937، عدا القوات الجوية والشرطة وقوات حرس الحدود، لواءان من المشاة استقدمتهما القيادة البريطانية، مما سبب خللاً واضحاً وخطيراً في ميزان القوى بالنظر إلى ضآلة عدد قوات الثورة المتفرغة للقتال الذي لم يزد في يوم من الأيام على ثلاثة آلاف ثائر. وأصبح من المتوقع أن يكون شتاء 1937 قاسياً نظراً لرغبة كل من الطرفين في فرض شروطه على الطرف الآخر. فالطرفان اكتسبا خبرة أوسع في ممارسة القتال في الجبال وحرب العصابات. وأصبح الطيارون البريطانيون أكثر خبرة في طلعاتهم القتالية في الأماكن الجبلية والمأهولة. بالإضافة إلى البدء في شق الكثير من الطرق العسكرية. وقد أحصى التقرير السنوي للإدارة البريطانية عمليات للمقاومة في عام 1937 على الشكل الآتي: العمليات عددها –         هجمات ضد معسكرات ومراكز الجيش والشرطة –         هجمات ضد المستعمرات الصهيونية –         هجمات ضد منازل يملكها البريطانيون –         عمليات نسف سكك حديدية –         عمليات قطع خطوط البرق والهاتف –         عمليات نسف طرق –         هجمات على مصالح حكومية –         هجمات على أملاك صهيونية –         عمليات إغتيال ومحاولات إغتيال ضد الجيش والشرطة والصهيونيين 190 143 2 5 82 1 3 18 148 من الملاحظ أن معارك التي استؤنفت في شتاء 1937 اختلفت في أمور كثيرة عن تلك التي حدثت في فترات سابقة. إذ دارت على مسرح عمليات مختلف عن ذلك الذي حدثت فيه في فترة الاضراب الكبير، والذي كان في جبال نابلس. فمنطقة الجليل* بمسالكها وجبالها وغاباتها الكثيفة التي تغطي معظم التلال* أصبحت الميدان الرئيس للعمليات. لذلك أصبحت المعارك أقرب إلى الحدود منها إلى المناطق الداخلية في فلسطين بسبب الحاجة الماسة لاستمرار تدفق الأسلحة والذخائر عبر الحدود الأردنية والسورية واللبنانية، والحاجة إلى مؤخرة أمينة يسهل الالتجاء إليها وقت الضرورة وعند التطويق. وهناك ظاهرة هامة أخرى هي أن القوات البريطانية بدأت تعمل من أجل استرداد زمام المبادرة ومحاولة التمسك بها، وبدت مصممة على استعادة السيطرة على المناطق الخارجة عن سلطتها. لذلك خصص الجنرال ويفل القائد العام البريطاني الجديد قوات ضخمة مدربة على مقاومة حرب العصابات للعمل في هذا المجال. وقسمت تلك القوات إلى فصائل متحركة تقوم بأعمال الدوريات المستمرة والمنتظمة طوال أشهر السنة. ففي فصل الشتاء حيث يصعب التنقل والاتصال كانت الطائرات تمد تلك الفصائل بالأسلحة والذخائر والمؤن بالمظلات. بالمقابل بدا رجال المقاومة أكثر وعياً وتدريباً من السابق، فلم يعد من السهل اصطيادهم. وبدا واضحاً أنهم يملكون الحس الأمني، ولذلك عاشوا في يقظة دائمة وهم يحرسون أمكنة استراحتهم المؤقتة مهما بدت منيعة أو أمينة، كما أن المفارز المختلفة كانت أكثر وعياً لواجباتها ومهامها. وقد بدت سيطرة القادة تامة على قواتهم طوال مراحل القتال. كل ذلك ساعد على التغلب إلى حد كبير على النقص في الأسلحة ذات المستوى المتطور. 3)     عام 1938: أخذت الثورة، مستفيدة من انشغال بريطانيا في أزمة ميونخ الأوروبية عام 1938، تزداد عنفاً نتيجة للتنظيم الجيد والخبرة الممتازة الذين اكتسبتهما في المرحلة السابقة، فامتدت سيطرة الثوار على معظم الطرق وعلى الكثير من المدن. وأظهروا نشاطاً بارزاً في مناطق الجليل وجنين ونابلس والمنطقتين الوسطى والجنوبية. ونجحوا في تدمير محطات السكك الحديدية الواقعة بين القدس واللد وبين خان يونس ورفح، وبين اللد والحدود الأردنية. وهاجموا أيضاً معظم مراكز الشرطة، وقتلوا في أحدها الضابط موفات مدير شرطة جنين في مكتبه. وبحلول الصيف كان الثوار قد سيطروا تماماً على معظم المناطق الجبلية في البلاد إلى درجة أنهم كانوا يسيرون في مدينة نابلس بحرية تامة في وضح النهار وبأسلحتهم الكاملة. ومما يدل على عنف الثورة ونجاحها النسبي انخفاض معدل الهجرة اليهودية إلى عشرة آلاف مهاجر في ذلك العام في مقابل 62.000 مهاجر يهودي دخلوا البلاد عام 1930، وما أورده التقرير البريطاني لعام 1938 عن الزيادة في نفقات الأمن العام، والعمليات التي قام بها الثوار، والتي ركزت على أهداف اقتصادية ذات أهمية كبيرة بالنسبة إلى بريطانيا، وخاصة خط أنابيب شركة النفط العراقية. وقد بلغت تلك النفقات 1.034.825 جنيهاً استرلينياً عام 1938 في حين كانت نحو 867.295 جنيهاً عام 1937، و641.276 جنيهاً عام 1936. وقد أورد التقرير المذكور عدد الإصابات على الشكل التالي: مقتل 63 جندياً بريطانياً وجرح 200، إضافة إلى مقتل 12 شرطياً وجرح 15 آخرين. كما قتل 255 صهيونياً وجرح 390 مقابل 503 شهداء من العرب و598 جريحاً. أما العمليات التي جرت في عام 1938 فهي كما أحصاها التقرير: العمليات عددها –         هجوم وعمليات قنص ضد أفراد صهيونيين –         هجوم وعمليات قنص ضد قوات الجيش والشرطة البريطانية –         هجوم على وسائل المواصلات –         إطلاق نار على المستعمرات والأحياء اليهودية –         إلقاء قنابل –         عمليات خطف –         إتلاف أملاك يهودية –         تخريب هواتف –         تخريب سكك حديدية وطرق –         تخريب أملاك حكومية أخرى –         تخريب خط أنابيب شركة النفط العراقية –         عمليات إغتيال ومحاولات إغتيال 176 986 335 651 331 215 410 720 341 210 104 490 انحصر ميدان نشاط الثورة في البداية تقريبا في المنطقة الشمالية وفي جبال الخليل ثم امتد حتى شمل أراضي فلسطين كلها. وقد اعترف قادة القوات البريطانية في تقاريرهم المنتظمة بأنه لم يكن يمر أسبوع دون وقوع معركة كبرى. وقد ازداد عدد الثوار بشكل ملحوظ في المنطقة الواقعة شرق طريق جنين – نابلس خلال الفترة الممتدة من الأسبوع الأول من شهر شباط إلى الثالث من آذار، وهي الفترة التي وقعت فيها معركة اليامون.  ويعترف الأستاذ هيامسون أن الثوار سيطروا على معظم البلاد عام 1938.حين يقول: “خضعت مدينة القدس القديمة ومدن أخرى، خلال أوقات معينة، لسيطرة الثوار”، ويعترف أيضاً بأن الجماعات العربية أصبحت، منذ تموز 1938، منظمة تنظيماً جيداً وغدت تقاد من قبل قيادة واحدة. 4)  عام 1939: كانت عملية القدس آخر عملية كبيرة قام بها الثوار الفلسطينيون ضد السلطة البريطانية والمنظمات الصهيونية وهذا لا يعني أن المعارك قد توقفت ضد البريطانيين، لكن معدلها هبط، إذ بلغ مجموع العمليات 952 عملية مختلفة في ذلك العام. وقد أفلت زمام المبادرة من الثوار وانتقل إلى أيدي القوات البريطانية التي تحولت مع المنظمات  الصهيونية إلى موقع الهجوم. وأصبح موقف الثوار العرب حرجاً للغاية لاستحالة تمكنهم من فرض المعركة بالشروط التي تلائمهم كالسابق. فالقوات البريطانية بدأت في عملية نزع سلاح عامة بالتعاون مع الصهيونيين والعناصر المعادية للثورة، واستطاعت خلالها الاستيلاء على 2.076 بندقية، 785 مسدساً، و335 بندقية صيد. وتمكنت حتى تموز 1939 من احتلال وتفتيش 758 قرية. وأدى الضغط المتزايد إلى إنهاك الثوار واهتزاز تنظيماتهم وافتقارهم إلى القيادة العسكرية والسياسية الفعالة القادرة على تحدي تفوق الخصم الساحق. فالقيادة العسكرية لم تعد موجودة في الداخل من الناحية الفعلية، وخاصة بعد استشهاد القائد العام عبد الرحيم الحاج محمد في صانور في آذار 1939، واضطرار عارف عبد الرازق إلى تسليم نفسه للسلطات الفرنسية على الحدود اللبنانية، ووجود عبد القادر الحسيني خارج البلاد منذ إصابته في خريف 1938. أما القيادة السياسية التي كانت في الأصل بعيدة في دمشق فلم تعد موجودة حتى هناك بعد قيام السلطات الفرنسية بتضييق الخناق على أعضائها عشية نشوب الحرب العالمية الثانية. وقد كان واضحاً ضمن هذه الظروف استحالة تحقيق نصر عسكري ساحق على القوات البريطانية، خاصة أن الثوار لم يعتقدوا أبداً بإمكانية تحقيق هذا الهدف لأسباب تتعلق بالإمكانات وميزان القوى الذي كان يميل من ناحية العدد وقوة الميزان بنسبة 20/1 إلى جانب البريطانيين والصهيونيين. وقد ترافق ذلك بعد غياب الاستراتيجية العسكرية وعدم توفر الإمكانات الفعالة، إضافة إلى غياب القيادة العسكرية السياسية الموحدة وعدم ملاءمة الوضع الدولي نظراً لما مثله الاستعمار من هيمنة على العلاقات الدولية في تلك الفترة من الزمن. وعلى الرغم من كل ذلك حققت الثورة هدفاً أساسياً مرحلياً من الأهداف التي ناضلت من أجل تحقيقها، وهو موافقة بريطانيا في مؤتمر سان جيمس* بلندن عام 1939 على الحد من عدد المهاجرين اليهود ومن عمليات بيع الأراضي لهم خلال مدة انتقالية مدتها عشر سنوات يعقبها إيقاف كامل للهجرة إلى البلاد، إلا في حال موافقة العرب أنفسهم. وهذا يعني صراحة طي مشروع التقسيم الذي أوصت به اللجنة الملكية عام 1937 والذي كان السبب المباشر في عودة الثورة إلى الاندلاع في خريف العام المذكور. ومن النتائج الهامة للثورة كشفها القيادات المتخاذلة المحلية والأنظمة العربية التي تدخلت في قضية فلسطين بشكل أسهم في إجهاض الثورة، إضافة إلى كشفها الحلف الإمبريالي – الصهيوني في المنطقة الذي ترك بصماته على تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية والعربية بصورة أوضح منذ عام 1936 وحتى يومنا هذا. وأخيراً لا يمكن إنكار حقيقة كون الثورة العربية الكبرى في فلسطين قد قدمت أنموذجاً حياً للنضال من أجل التحرر والدفاع عن الوطن والحفاظ على فلسطين عربية. وقد أفادت ثورة 1936 – 1939، بتجربتها النضالية الغنية والفريدة، الثورة الفلسطينية الناشئة منذ مطلع عام 1965 وأَثْرتها بدروس كثيرة. ك- نسف مدينة يافا القديمة: كانت مدن نابلس والقدس ويافا أكثر مدن فلسطين غلياناً وتفجيراً خلال ثورة 1936 – 1939 في فلسطين، حتى إن القائد العام للقوات البريطانية نفسه لم يجرؤ مثلاً على زيارة نابلس إلا بعد إرسال كتيبة مشاة إليها معززة بمدافع الهاوتزر. وكانت عمليات المقاومة أكثر انتشاراً في القدس. أما فيما يتعلق بيافا فقد نفذت فيها أعلى نسبة من عمليات القنص وقذف القنابل ضد الجيش البريطاني والشرطة، ولم يكن أحد من المسؤولين السياسيين أو القادة العسكريين البريطانيين يستطيع دخولها دون التعرض لمحاولة القتل أو الاغتيال. وقد اتخذت القيادة البريطانية خلال الأشهر الأولى للثورة، وخاصة خلال الفترة التي تولى القيادة فيها الجنرال بيرز، سلسلة من الإجراءات الانتقامية داخل تلك المدن، وكان أبرزها نسف بلدة يافا القديمة بقصد الرد على تلك الهجمات. طالب بيرز في تقريره إلى وزارة الطيران “بضرورة إعادة النظام والأمن إلى مدينة يافا وإعادة تشغيل مرفئها باستخدام عمال آخرين بدلاً من العمال المضربين إذا أصروا على مواصلة الإضراب”. وهذا لا يتم في نظره ما بقيت الحالة الأمنية في المدينة متدهورة وغير مستقرة. لذلك قدم اقتراحاً يتضمن القيام بنسف أجزاء من مدينة يافا القديمة لتحقيق هذا الغرض. ويتناقض هذا الاقتراح تناقضاً كلياً مع ادعاء السلطات البريطانية آنذاك أن الهدف من عملية النسف كان توسيع وتحسين المدينة القديمة بشق طريقين فيها. في صباح يوم 16/6/1936 ألقت طائرة حربية كانت تحوم فوق المدينة الانذار التالي: “إن الحكومة على وشك البدء في مشروع يرمي إلى توسيع وتحسين البلدة القديمة في يافا، وذلك بناء طريقين يفيدان المدينة بكاملها. وستبدأ الخطوات الأولى الضرورية بهدم وإزالة بعض الأبنية المزدحمة وغير الصحية مستغلين فرصة وجود فرق المهندسين الملكية الآن في فلسطين للبدء في هذه الأعمال”. وكانت قد صدرت الأوامر للمقدم أوتيرسون – كيلسو بإجراء الاستطلاعات اللازمة ووضع خطة سياسية بالتعاون مع حاكم اللواء الجنوبي كروسبي ومساعده مفتش الشرطة العام فولي. وقد قدم في البداية اقتراحاً يوصي فيه استخدام قوات المشاة لاحتلال المدينة ومن ثم تنفيذ عملية النسف. ولكن الخوف من وقوع الخسائر الكثيرة في صفوف القوات البريطانية جعل تنفيذ هذه العملية أمراً مستعبداً. وفي النهاية قررت القيادة البريطانية تنفيذ الخطة التالية وقد قسمت إلى أربع مراحل: (1)  إطلاق نار كثيفة ومستمرة ضد مراكز الثوار حتى اسكات نيراهم. (2)  فرض عمل إجباري على سكان المدينة لإزالة المتاريس والحواجز. (3)  نسف المناطق الشرقية والغربية من البلدة القديمة وشق طريق عبرها. (4)  نسف المناطق الشمالية والجنوبية من المدينة القديمة وشق طريق أخرى وسطها. بدأ تنفيذ المرحلة الأولى بإطلاق نار كثيفة على أماكن القناصة العرب ومواقعهم من رشاشات الفيكرز ذات الكثافة النارية العالية والتأثير الفعال بالمقارنة بأسلحة الثوار البدائية. وقد استمرت تلك الاشتباكات 18 يوماً متواصلة حتى اليوم الذي بدأ فيه العمل لتنفيذ المرحلة الثالثة في 18/6/1936. وقد أدى نجاح المرحلة الأولى إلى تنفيذ المرحلة الثانية، فأمرت القوات البريطانية الوجهاء وأصحاب المحلات والسكان في المنطقة المعنية بعد تطويقها بإزالة مختلفة الحواجز والمتاريس في الشوارع وإعادة النظام إليها. واستيقظ سكان المدينة القديمة صباح يوم 16/6/1936 على دق أجراس وأصوات منادين ومنشورات تلقيها طائرة تتضمن قرار الحكومة البدء بعملية (تجميل المدينة). وهددت باستخدام القوة في حالة حدوث أي مقاومة لتنفيذ خطة الحكومة، ووعدت بدفع تعويضات مناسبة لأصحاب المساكن المنسوفة أو المتضررة. بدأت أولى خطوات العملية عند الساعة الرابعة من صباح يوم 18/6/1936 بعد قيام إحدى كتائب المشاة بتطويق المنطقة وتفتيش كل من يغادرها، وقيام كتيبة أخرى بتأمين التغطية الضرورية لفرقة النسف، في حين وضعت سريتان من المشاة وسرية ثالثة مدرعة في الاحتياط، بالإضافة إلى البارجة الحربية “أكتيف” التي عهد إليها تأمين المنطقة المشرفة على البحر. وهكذا بدأت عملية النسف. وبحلول المساء تم شق طريق بعرض عشرة أمتار تمتد من مركز شرطة العجمي شرقاً حتى دير اللاتين غرباً. أدى نجاح المرحلة الثالثة من العملية إلى البدء في تنفيذ المرحلة الرابعة بعد فترة قصيرة. وقد صرح بيرز بأن سبب السرعة في تنفيذ المرحلة الأخيرة من العملية كان من أجل عدم ترك أي مجال للمحكمة العليا للفصل في عملية النسف بعد قيام العرب برفع شكوى إليها بهذا الشأن. استؤنفت أعمال النسف لإنجاز المرحلة الرابعة يوم 29/6/1936، وتم الانتهاء منها في اليوم التالي بعد تدمير بعض المناطق الواقعة شمالي المدينة وجنوبيها. يتضح مما تقدم مدى التناقض في أهداف السلطات البريطانية المعلنة ونياتها الحقيقية في نسف المدينة القديمة. ويظهر مدى اعتدائها على السكان العرب وحقوقهم. وقد برز هذا واضحاً في إعلانها عن سبب واه وغير مقنع لنسف المدينة القديمة مرتين خلال شهر واحد، الأولى يوم 18/6/1936 والثانية يومي 29 و30/6/1936. وقد نسف في المرة الأولى 70 بيتاً تسكنها 150 عائلة، وفي المرة الثانية نحو 150 بيتاً تسكنها نحو 300 عائلة. وتمت إزالة حوالي 850 “براكة” خشبية في مناطق أخرى في المدينة يسكنها نحو 4.000 شخص. هذا بالإضافة إلى هدم وتشقق عدد كبير آخر من البيوت المجاورة. ويقدر عدد الذين أصبحوا بلا مأوى بعشرة آلاف نسمة. وقد تجاوز الضرر المدينة القديمة، وأصاب كنيسة الخضر الموجودة في حي العجمي إذ تصدعت بتأثير النسف بالديناميت. وأصيب مسجد الشيخ رسلان ودمر جزء من مئذنته وتناثرت الحجارة على كنيسة دير الروم مما سبب خراباً كبيراً في سطحها واتلافاً لبعض المصابيح المعلقة فيها. أما كنيسة دير اللاتين المعروفة بالقلعة فقد أثر فيها الديناميت تأثيراً كبيراً وأتلف محتوياتها وشوه منظرها الخارجي. ولم يزد التعويض الذي وعدت بريطانيا بتقديمه للمتضررين على عشرين مليماً لكل فرد من أفراد العائلة دون القيام بعمل يذكر في سبيل إيواء هؤلاء المشردين. وعلى الرغم من الهدوء النسبي في مدينة يافا وبعض المدن الأخرى إثر عملية النسف بدا واضحاً للسلطة البريطانية أن العملية لم تحقق الهدف الاستراتيجي الذي نفذت من أجله، وهو ترويع الثوار والسكان ووقف الاضراب. فبعد أقل من شهر على العملية، وفي يوم 27/7/1936 الذي صادف مرور مائة يوم على بدء الاضراب، نفذت عمليات كثيرة غطت معظم أنحاء البلاد. وقد كتب بيرز على أثرها لقيادته “إن القوات التي تعمل تحت قيادتي لم تعد قادرة على سحق التمرد بالسرعة المطلوبة، ولذلك أطلب إرسال كتيبتي مشاة محمولتين على الأقل ليصبح كل لواء مشكلاً من أربع كتائب بالإضافة إلى كتيبتي احتياط وفوج خيالة مفرزين للمهمات المحدودة، وخاصة في مناطق الأردن وبئر السبع”. ويضيف بيرز قائلاً: “لقد بات من الضروري حتى يعود الهدوء بسرعة إلى البلاد وضع فرقة كاملة مؤلفة من ثلاثة ألوية، بما فيها القوات الموجودة أصلاً في البلاد يبلغ عددها 10.389 ضابطاً وجندياً، بما فيها القوات الجوية، تحت تصرف القائد العام. إضافة إلى السرب 33 القاذف المتمركز أصلاً في قاعدة الإسماعيلية بهدف تكليف عمليات القصف”. ل- معركة نور شمس: إحدى أهم معارك ثورة 1936 – 1939. وتقع قرية نور شمس شرقي طولكرم على مبعدة 3 كم منها، وتشرف على طريق حيفا – تل أبيب التي كانت القوافل الصهيونية تسلكها محروسة بالقوات البريطانية. حينما وقعت معركة نور شمس يوم 21/6/1936 كانت القوات البريطانية في فلسطين تتألف من 6 كتائب من المشاة والمدرعات والمدفعية، وسرب من الطائرات القاذفة، وبعض قطع الأسطول في البحر المتوسط. قاد المعركة عبد الرحيم الحاج محمد* وقبل أن تبدأ قام القائد عبد الرحيم باستطلاع دقيق لساحة المعركة بعد أن وصلت إليه معلومات تفيد بقرب مرور قافلة صهيونية محروسة بقوة مسلحة بريطانية. بدأت المعركة في الساعة 10:00 من صباح 21/6 واشترك فيها خمسون مناضلاً عدا الذين تطوعوا عند الاشتباك من القرى المجاورة. وقد تراوح تسليح القوة بين البنادق الحربية القديمة وبعض القنابل اليدوية. أما القوة المعادية فكانت تتألف من ست سيارات ركاب يحرسها فصيل مشاة بريطاني محمول ومعزز بمصفحتين. وقدر عدد الصهيونيين والجنود البريطانيين بنحو 170 فرداً عززوا عند الاشتباك بثلاث طائرات حربية استخدمت للمرة الأولى في مواجهة مباشرة ضد الثوار. وقدمت نجدة من القوات البريطانية المتمركزة في مدينة نابلس قدرت بفصلين محمولين. وقد تمكن الثوار من اشغال هذه النجدة ومنعها من الوصول إلى أرض المعركة بكمين نصب لها قرب دير شرف على معبدة 20م تقريباً من طولكرم. تلخصت خطة القائد عبد الرحيم بتقسيم قواته إلى ثلاث مفارز مهمة المفرزة الأولى تغطية مقدمة القافلة وحصرها بالنيران من الأمام، ومهمة المفرزة الثانية ضرب قلب القافلة بعد وقوعها في الفخ، أما المفرزة الثالثة فقد كان واجبها مؤخرة القافلة، واختار القائد مكانه في قلب المفرزة الثانية. وقد تمركز ثائران في نقطين مخفيتين ومموهتين جيداً في مقدمة الكمين على يمين الطريق، وتمركز ثائر ثالث على يسار الطريق للمراقبة وإعطاء الانذار بقدوم العدو وإطلاق النار عند دخول آخر سيارة للقافلة ضمن منطقة الكمين، وفور اصطدام السيارة الأولى بمانع من الحجارة تمت تهيئته مسبقاً على الطريق. استمرت المعركة نحو سبع ساعات لم يعترف البريطانيون بعدها بوقوع خسائر في قواتهم أو في الصهيونيين الذين كانوا يرافقونهم بل أعلنوا عن استشهاد ما بين 21 – 25 ثائراً. أما المصادر العربية فقد أعلنت عن استشهاد ثلاثة من الثوار ومقتل ما يقارب خمسين جندياً من القوات البريطانية وتدمير ثلاث سيارات وإسقاط طائرة حربية. ويبدو واضحاً من سير المعركة أن القائد عبد الرحيم الحاج محمد قادها ونفذها بجرأة ومرونة فائقة، فقد اختار وقت تنفيذها نهاراً مع علمه بأن خسائر قواته قد تكون أكثر وفرص النصر قد تكون أقل لأن القوافل الصهيونية كانت تتوقف ليلاً وتحيط نفسها بالحراسة البريطانية المشددة. إن صمود الثوار بأسلحتهم القديمة سبع ساعات متواصلة في وجه القوة البريطانية الكبيرة دليل قاطع على مدى الاستعداد للتضحية والتصميم على خوض النضال المسلح. ويبدو واضحاً أن العملية قد أعد لها إعداداً جيداً من حيث التخطيط وحشد القوة وتوزيعها وتحديد مكان الكمين في منطقة وعرة تساعد على إبقاء زمام المبادرة في أيدي قوة الكمين وتكسبه المرونة أثناء خوض المعركة وتمكنه من إيقاع أكبر الخسائر في صفوف العدو. م- معركة الجاعونة: تعرف بلدة الجاعونة* عند الصهيونيين باسم “روشبينا”، وتقع على الطريق بين صفد وطبرية إلى الشرق من مدينة صفد، وكانت تسكنها أكثرية يهودية. ولما بدأت فصائل ثورة عام 1936 تعمل في منطقة صفد تعرضت طريق صفد – طبرية لعدة هجمات من المجاهدين ابتداء من شهر حزيران 1936، فكانوا ينصبون الكمائن لسيارات الركاب الصهيونية التي تسير بين صفد وطبرية بحراسة المصفحات البريطانية، فوقعت معركة جب يوسف ليلة 21/22 حزيران وكان يقود المجاهدين فيها عبد الله الأصبح* من الجاعونة وعبدالله الشاعر من صفد. قاد عبد الله الشاعر مجموعة من المجاهدين في كمين نصبه “لباص” صهيوني قادم من طبرية إلى صفد يوم 12/8/1936. وكان موقع الكمين قبل الجاعونة بكيلومترين. وقد سد المجاهدون الطريق وكمنوا بين الصخور، ولما واصلت السيارة الصهيونية تحت الحراسة البريطانية انهال المجاهدون عليها بالرصاص، واستمر الاشتباك نحو ساعتين، وأخذت قوة الحراسة تطلب النجدات. أسفرت هذه المعركة عن مقتل ثمانية من الركاب الصهيونيين، وقتل وجرح عدد من الحرس البريطاني. وتمكن المجاهدون من الانسحاب قبل وصول النجدات البريطانية دون خسائر في صفوفهم، وقد اتسمت هذه العملية بالمفاجأة والجرأة. ن- معركة بلعة: معركة بلعة التي وقعت يوم 3/9/1936 من أكبر معارك ثورة 1936. وتبعد قرية بلعة نحو 7 كم عن مدينة طولكرم، ونحو 1.5 كم عن طريق نابلس – طولكرم. بلغ عدد الثوار الذين اشتركوا في المعركة خمسين رجلاً مسلحين بالبنادق المتنوعة والرشاشات الخفيفة وبعض الألغام. وكانوا متطوعين قدموا من أنحاء فلسطين وسورية والعراق. وقد اختاروا موقع بلعة لارتفاعه وإشرافه على طريق نابلس – طولكرم حيث تمر القوافل الصهيونية بحماية القوات                       البريطانية. وقد نظم القائد فوزي القاوقجي خط الدفاع الرئيس فوق المرتفعات المشرفة على الطريق العام على شكل أربع مفارز تتقاطع نيرانها فيما بينها فلا يستطيع العدو الدخول بين المفارز دون أن تناله نيرانها، وأعد أيضاً مفرزتين لتبثا الألغام على الطريق وتكمنا على مقربة منه وتناوشا العدو، ثم لتنسحب كل منهما باتجاه محدد بغية شطر قوة العدو إلى قسمين واستدراجه إلى حيث يقع تحت النار المجدية لخط الدفاع الرئيس. وتم أيضاً تركيز عدد من المفارز الصغيرة من الرماة المهرة في أماكن ملائمة للدفاع الجوي لصد الطائرات إذا ما اشتركت في القتال. وصلت قوة المجاهدين بصورة سرية إلى نقطة التجمع في قرية بلعة ليلة 2/9/1936. وتم إبلاغ قادة المفارز التعليمات، وعرف كل منهم مهمته. وفي صباح يوم 3/9/1936 تمركز المجاهدون في مواقعهم المحددة. ظهرت القافلة المعادية قادمة من اتجاه طولكرم، وكانت مؤلفة من 20 سيارة. وحينما وصلت إلى النقطة المعينة في الساعة 8:40 صباحاً انفجرت الألغام وأطلق الكمينان النار على القافلة. وردت القوة البريطانية بنيران الدبابات والرشاشات والمدافع الخفيفة. ولما ترك الكمينان موقعيهما حسب الخطة المرسومة تبعهما الجنود البريطانيون منشطرين إلى قسمين، وسرعان ما وقعا تحت رحمة نيران خط الدفاع الرئيس فوجدت القوة البريطانية نفسها محاصرة لا تستطيع التقدم ولا الانسحاب، فاستنجدت بالقيادة. ولم يمض وقت طويل حتى ظهرت الطائرات وأخذت تنقض على مواقع المجاهدين الذين استطاعوا أن يسقطوا ثلاثاً منها بأسلحتهم العادية. وتبع ظهور الطائرات تدفق نجدات المدافع والدبابات والرشاشات على ساحة المعركة. وحاولت القوة البريطانية الالتفاف على مواقع المجاهدين، ولكنها ردت على أعقابها. وحوالي الساعة 14.00 بلغت المعركة أقصى حدتها، إذ كثف الإنكليز القصف بالمدرعات والمدافع الثقيلة والطائرات. واضطرت القيادة العربية إلى الأمر بالانسحاب إلى خط الدفاع الثاني على مرتفعات تساعد أكثر على الدفاع والمقاومة. وفي هذه الأثناء أخذ العدو ينسحب من المعركة أيضاً تحت حماية نيران كثيفة وغزيرة أطلقتها طائراته وأسلحته المختلفة. وقد ظلت قوات العدو مرابطة حول ساحة المعركة حتى تم لها إخلاء الجرحى والقتلى، ثم انسحبت بعد غروب الشمس. وهكذا استمرت المعركة حتى الساعة 15:30 على جبهة طولها 12 كم قاتل فيها الثوار قتالاً عنيفاً وعنيداً. وقد نفدت ذخيرتهم في المرحلة الأخيرة من المعركة. اعترفت القيادة البريطانية بمقتل ضابطين أحدهما طيار، وبجرح ثلاثة أحدهم إصابته خطيرة، وبمقتل عريف وجرح اثنين آخرين، واعترفت بسقوط طائرة وإصابة ثلاث أخرى بنيران البنادق، وادعت استشهاد “14 من رجال العصابات”. أما الثوار فقد أعلنوا مقتل 80 جندياً بريطانيا بينهم عدة ضباط. عدا الجرحى، وإصابة ثلاث طائرات وتعطيل رابعة، والاستيلاء على رشاش طائرة من طراز “برن”. كان من بين الشهداء محمود أبو يحيى من جبل العرب (سورية)، وإليه يعود الفضل في صمود خط الدفاع الرئيس. وكان الشيخ سليمان الصاتوري، وهو فلسطيني، من أكثر المقاتلين شجاعة وحكمة. وقد استشهد فيما بعد في معركة كفرعبوش. ويبدو واضحاً من دراسة هذه المعركة مدى الدقة والتنظيم في خطة القتال وحسن تدريب المجاهدين. فقد تم تحديد أماكن تمركز المفارز بدقة فائقة لضمان إيقاع أكبر الخسائر في صفوف العدو والمحافظة على النفس. وأنجز الكمين الذي أوكلت إليه مهمة استدراج العدو إلى المواقع الأساسية مهمته طبقاً للخطة الموضوعة بمهارة وجرأة. ونجحت المفارز المخصصة للدفاع الجوي في تخفيف الضغط عن الثوار،وحرمت العدو من الغطاء الجوي بعد إصابة عدد من طائراته، مما أثر في سير المعركة لصالح الثوار في البداية. تلقى الشعب العربي الفلسطيني أخبار هذه المعركة الظافرة بارتياح كبير، وقويت الروح المعنوية لديه. في حين قررت الحكومة البريطانية بعد هذه المعركة اتخاذ إجراءات أكثر صرامة وشدة في التعامل مع “رجال العصابات” من أجل إعادة النظام، ومنها إعلان حالة الطوارىء. هذا وقد تم تعيين الجنرال جون ديل بدلاً من بيرز قائداً عاماً للقوات البريطانية في فلسطين وشرق الأردن يوم 15/9/1926، وأرسلت إلى فلسطين تعزيزات كثيرة من الجنود والمعدات. س– معركة اليامون: تقع قرية اليامون* على بعد 9 كم شمال شرقي جنين، وكان يتولى قيادة منطقة نابلس – جنين عند حدوث المعركة يوم 3/3/1938 الشيخ عطية أحمد عوض* أحد رجال ثورة الشيخ عز الدين القسام*. أقدم الشيخ عطية، في وقت سابق، على رأس أربعة فصائل من الثوار، على تطويق مدينة جنين من جميع جهاتها، ونجح في الإغارة على مراكز الشرطة والجيش البريطاني فيها، والاستيلاء على كل ما فيها من ذخيرة وبنادق. وقام فصيل من قواته بمهاجمة قوات الجيش المتمركزة في نابلس، ونصب فصيل آخر كميناً للدوريات العسكرية على طريق نابلس – جنين. وعلى أثر هذه المعارك الناجحة للثوار أصدر البريغادير ايفتس قائد اللواء السادس عشر البريطاني أوامر لقواته بالتوجه إلى منطقة جنين وتمشيطها، خاصة بعد شق الكثير من الطرق في الجبال لتسهيل حركة القوات. توقع الشيخ عطية أن تقوم القوات البريطانية بعملية انتقامية كبيرة ضد قواته، لذلك استعد لمعركة طويلة. فقام بالاستطلاعات الضرورية، ودرس الموقف، ثم قرر احتلال مراكز مشرفة على نقاط التقرب المحتملة، ووزع قواته بحيث احتل فريق من الثوار مواقع في رابا (قرية تقع عل بعد 12 كم جنوبي شرق جنين) واحتل فريق آخر رؤوس الجبال من كفردان (قرية تقع على مبعدة 8 كم غربي جنين) إلى اليامون. بدأت المعركة عند الساعة العاشرة من صباح 3/3/1938 بعد نجاح القوة البريطانية في فرض طوق حول مواقع الثوار، واستمرت حتى حلول الظلام عندما استطاع الثوار فتح ثغرة في الطوق ومن ثم الانسحاب. وقد اشترك في المعركة نحو ثلاثة آلاف جندي بريطاني، بالإضافة إلى مفرزة من قوات الحدود الأردنية، وتسع طائرات استدعيت بعد 15 دقيقة من بداية الاشتباك مقابل 300 ثائر فلسطيني. وقد اعترفت القوات البريطانية بجرح ضابط ومقتل جندي وجرح آخرين وإصابة خمس طائرات إصابات طفيفة. وادعت استشهاد 60 ثائراً وأسر 16 آخرين. أما الثوار فقد أعلنوا من جانبهم استشهاد تسعة منهم كان أحدهم الشيخ عطية نفسه، بالإضافة إلى أكثر من ثلاثين مناضلاً من النجدات العربية التي التحقت بموقع المعركة من القرى المجاورة، وأحصوا مقتل وجرح أكثر من 70 بريطانيا. وقد حاولت القيادة البريطانية خلال هذه المعركة مفاجأة الثوار والقضاء على قيادة الثورة في المنطقة باستدراج أكبر عدد من المقاتلين والقوات المحلية. ولكن الثوار استطاعوا الصمود على جبهة طولها كيلومتران حيث قاتلوا قتالاً عنيداً بأسلحة عنيفة واجهوا بها المدفعية الثقيلة والطائرات التي أدت دوراً فعالاً في تلك المنطقة الجبلية الوعرة. ورغم ذلك اعترف البريطانيون بأن الثوار تمكنوا من الانسحاب بنجاح بعد قتال في ظروف غاية في الصعوبة والتعقيد، وفي مواقع لم تكن ملائمة لهم على الإطلاق. وقد أظهر الثوار، رغم خسائرهم الكبيرة، مقدرة كبيرة على خوض معركة دفاعية ناجحة نسبياً، خطط العدو لها وحشد من أجلها قوات كبيرة، بعد أن أفقدوه عنصر المفاجأة. وأظهروا أيضاً براعة فائقة في حرية الحركة والتخلص من الطرق، وبالتالي الحفاظ على قواتهم من أجل معارك قادمة. ع- معركة بئر السبع: بحلول شهر أيلول عام 1938 امتدت الثورة إلى منطقة بئر السبع جنوباً بعد أن اعتقد البريطانيون خطأ بأن المنطقة لن تساهم بقليل أو بكثير في الثورة لبعدها وقلة عدد السكان الصهيونيين فيها. ففي يوم 9/9/1938 بدأ قائد منطقة الخليل عبد الحليم الجولاني (أبو زيدان) يعد خطة هجوم على مدينة بئر السبع للاستيلاء على أسلحة الجيش والشرطة هناك لتسليح قواته ومؤيديه. وقد جهز لتلك العملية 60 مناضلاً نقلتهم أربع سيارات شحن كبيرة بالإضافة إلى بعض الثوار من غزة، أما قوة البريطانيين فكانت خمسة أفراد شرطة وضباطاً، مع بعض أفراد الشرطة العرب. تم تنفيذ خطة الهجوم عند ظهر اليوم المذكور فبعد تطويق المدينة من جهاتها الأربع تمكن فصيل القيادة من دخولها والاستيلاء على مخازن السلاح، وفيها أكثر من 600 قطعة سلاح. وبذلك استطاع الجولاني تسليح بعض أفراد الشعب والتفرغ للعمليات الحربية بصورة أكثر تنظيماً. وبعد إخلاء دائرة الشرطة قام الثوار بإحراقها. وكان من نتيجة المعركة مقتل ضابط الشرطة البريطاني وجرح عدد آخر من الشرطة، والاستيلاء على بعض الوثائق الهامة. وقد انسحب الثوار في الصباح بعد انجاز مهمتهم. وكانت هذه المعركة أول معركة كبيرة تقع في الجنوب. وقد نجحت بسبب ما توافر لها من مفاجأة وسرية وتفوق عددي. ف- معركة طبرية: وضع قائد المنطقة الشمالية (منطقة الجليل) أبو إبراهيم الكبير ومعاونوه خطة عسكرية للهجوم على مدينة طبرية. وقد حشد لهذه العملية التي قادها بنفسه 300 ثائر. وتلخصت الخطة بتقسيم قوة الهجوم إلى خمس مجموعات تقوم الأولى بالهجوم على دار الحكومة والثانية بالهجوم على معسكر الجيش البريطاني المقابل لدار الحكومة وتتولى المجموعة الثالثة احتلال الحي اليهودي الذي يقع في وسط المدينة للاستيلاء على الأسلحة في الحي، في حين تتمركز المجموعتان الأخيرتان على طريق طبرية – سمخ، وعلى طريق صفد – طبرية لمنع وصول النجدات. بدأت العملية في الساعة العاشرة مساء من ليلة 3/10/1938، واستمرت خمس ساعات انسحب الثوار بعدها دون أن يصابوا بأدنى خسارة بعد أن قتلوا 19 مستوطناً صهيونياً. وقد اعترضتهم أثناء الانسحاب قوة معادية من الفصائل المتحركة للجيش البريطاني على مقربة من حطين* فوقعت معركة اشتركت فيها أيضاً المفارز الخاصة البريطانية، واستشهد فيها عدد من الثوار قبل أن يتمكن الآخرون من الإفلات من الطوق. ص- معركة القدس: كان يتمركز في القدس أكثر من ثلاثمائة شرطي وكثير من الجنود حين قرر الثوار السيطرة عليها. فقد اجتمع قادة الثوار العاملون داخل القدس، وعلى رأسهم قائد المنطقة عارف عبد الرازق*، على أثر الاستفزازات الإنكليزية لمشاعر الأهلين باحتلال القوات البريطانية مخفر البراق في المدينة، ووضعوا خطة للسيطرة عليها بعد تقدير الموقف بناء على المعلومات التي تم تجميعهم نتيجة للاستطلاعات التي قام بها الثوار وأنصارهم من أفراد الشرطة العربية. في صباح 13/9/1938 بدأ الثوار ينفذون الخطة، فأعلنوا الاضراب العام داخل الأسوار، وفرضوا منع التجول من أجل تسهيل تحركهم. وفي الساعة الثانية صباحاً قامت جميع مفارز الثوار العاملة في القدس بالهجوم على مراكز الشرطة واحتلالها والاستيلاء على أسلحتها دون مقاومة تذكر، وكان من بينها مخفر البراق الذي احتل بعد قتل أربعة من الإنكليز. تابعت المفارز تنفيذ الخطة المرسومة باتقان ودقة وسرعة حتى أصبحت مدينة القدس بحلول منتصف شهر تشرين الأول 1938 بيد القوات العربية. وحدثت أثناء سيطرة القوات العربية عدة اشتباكات متفرقة قتل فيها عدد من الإنكليز، واستشهد أكثر من 40 عربياً معظمهم من أفراد الشعب العزل. وقد اعترف قائد منطقة القدس البريطاني الجنرال هاينغ في تقريره المؤرخ في 19/10/1938 بهذه العملية قائلاً: “أصبحت المدينة المقدسة بحلول السابع عشر من تشرين الأول 1938 تحت السيطرة الفعلية للثوار”. واعترف مدير الشرطة العام شارلز تيجريت بأن الثوار قد أسسوا خلال تلك المدة محكمة خاصة بهم في منطقة الحرم. ولم تستطع الحكومة استعادة السيطرة على القدس إلا بعد أن قررت القوات العسكرية البريطانية تطويقها واحتلالها بفرقة المشاة السابعة التي لم تتمكن من دخول المدينة إلا بعد استخدام عدد كبير من السكان المحليين كدرع بشري أمام القوات المهاجمة، وبعد التهديد بضرب الأماكن المقدسة بالمدافع، مما أجبر الثوار على الانسحاب. المراجع: –         محمد عزة دروزة: القضية الفلسطينية في مختلف مراحلها، بيروت 1959. –         محمد حافظ يعقوب: نظرة جديدة إلى تاريخ القضية الفلسطينية (1918 -1948)، بيروت 1973. –         مؤسسة الدراسات الفلسطينية، وزارة الدفاع اللبنانية: القضية الفلسطينية والخطر الصهيوني، بيروت 1973. –         عبد القادر ياسين: كفاح الشعب الفلسطيني قبل العام 1948، بيروت 1975. –         عبد الوهاب الكيالي: تاريخ فلسطين الحديث، بيروت 1973. –         عيسى السفري: فلسطين العربية بين الانتداب والصهيونية، يافا 1937. –         إحسان النمر: تاريخ جبل نابلس والبلقاء، نابلس 1972. –         بيان نويهض الحوت: (إعداد) وثائق الحركة الوطنية الفلسطينية (1918 – 1939) من أوراق أكرم زعيتر، بيروت 1979. –         صبحي ياسين: حب العصابات في فلسطين، القاهرة 1967. –         محمد الشاعر: الحرب الفدائية في فلسطين، بيروت 1967. –         أكرم زعيتر: يوميات الحركة الفلسطينية، 1935 – 1939، بيروت 1980. –         خيرية قاسمية: فلسطين في مذكرات القاوقجي (1936 – 1948) بيروت 1975. –         صالح مسعود بو يصير: جهاد شعب خلال نصف قرن، بيروت 1968. –         محمود العابدي: صفد في التاريخ، عمان 1977. –       Haining’s Report, 19. 10. 38. Co 733/ 379/ 75528/ 74/ 38. –       Hayamson, A. M.: Palestine under the Mandate, London 1950. –       Tegart Papers, Box 2, File 4. DS. 126-2. –       Wavell’s Dispatch, 7. 4. 38. Co 733/ 379/ 75528/ 74/ 38.