ثورة 1935

أ- المقدمة: حدثت تغييرات هامة في الحركة الوطنية الفلسطينية خلال سنوات الثلاثينات الأولى ولم تكن تلك التغييرات في الأهداف السياسية للحركة الوطنية، بل كانت في أساليب الحركة ووسائلها. فمع  تدفق أعداد المهاجرين الصهيونيين إلى فلسطين في تلك السنوات، وزيادة امتلاك الصهيونية للأراضي في فلسطين، ومع ازدياد نضج عرب فلسطين سياسياً، وإدراكهم حقيقة الاستعمار ومناوراته وأساليبه، وحقيقة ارتباط الصهيونية به ارتباطاً عضوياً، انبعثت دعوة بين عرب فلسطين إلى اتباع نوع آخر من أنواع النضال غير سياسة الاحتجاج والتظاهر والتمرد السلبي والوسائل السلمية. وكانت حركة الشيخ عز الدين القسام* النموذج الأول لهذا النوع الجديد من النضال، إذ دعت إلى الكفاح المسلح طريقاً لمكافحة الاستعمار والصهيونية. وشكل القسام جماعات سرية نضالية مدرية، وبذلك كان القسام رائد الكفاح المسلح في الحركة الوطنية الفلسطينية، ومجسد عروبة تلك الحركة، إذ كان من أبناء شمالي سورية. ومن طبيعة الحركات والتنظيمات السرية أن تظل حقائقها وثائقها مجهولة وخافية على الناس. وكانت المنظمة التي أوجدها الشهيد الشيخ القسام من أخطر المنظمات العربية السرية خلال عهد الانتداب البريطاني وأدقها تنظيماً. وقد أحيط تشكيل هذه المنظمة بإطار كثيف من السرية والكتمان، كما ضرب على ما قامت به من أعمال طوق شديد من الصمت والتكتم. لهذا فإن من العسير تقديم مثل هذه الدراسة كاملة ووافية عن هذه المنظمة. ولكن يمكن تقديم مثل هذه الدراسة في ضوء ما عرف عن الشيخ الشهيد ومنظمته، وما توفر من معلومات أكيدة عبر التجربة والممارسة. ب- القسام في حيفا: ولد ونشأ عز الدين القسام في بلدة جبلة القريبة من مدينة اللاذقية السورية عام 1871. وبعد أن عاد من الأزهر في القاهرة حيث تلقى العلم على الامام الشيخ محمد عبده، عكف على التدريس، وشارك في الوقت ذاته في حركة الجهاد فانضم في بادىء الأمر إلى عصبة عمر البيطار، ثم اشترك مع الشيخ صالح العلي في ثورته على الفرنسيين في شمالي سورية (1920 -1921). وأرسلت اليه سلطة الاحتلال رسولاً يعده بتوليته القضاء وبذل العطاء إن هو كف عن تمرده، فرد الرسول خائباً. فحكم عليه الديوان العرفي في اللاذقية بالإعدام، مما اضطره إلى اللجوء إلى حيفا* في 5/2/1922 حيث استوطن وتولى التدريس في جامع النصر، وعمل مدرساً في المدرسة الإسلامية بحيفا، وكانت معقلاً من معاقل الحركة الوطنية الفلسطينية. ثم عينه المجلس الإسلامي الأعلى* خطيباً لجامع الاستقلال في حيفا ومأذوناً شرعياً. وبذلك توفر للقسام عن طريق الوظائف الأربع التي صار يشغلها مجال واسع للاتصال المباشر بالشعب، وبصورة خاصة بالطبقات التي يخرج من صفوفها، عادة، المجاهدون. وكانت حيفا عندما هبطها القسام تنمو في عمرانها، فهي مرفأ فلسطين الأول، وأقرب مدنها إلى لبنان ودمشق، وهي قاعدة من قواعد النشاط والتحرك الصهيوني. ووجد القسام في “جمعية الشبان المسلمين” التي تألفت عام 1927 فرصة لتوسيع تطاق علاقاته بالناس فكان رئيسها وحامل لوائها. ولعل القسام وجد في حيفا ما كانت نفسه تتوق إليه، وهو أن ينشىء عصبة تكون نواة للثورة ضد الاستعمار والصهيونية. وقد استطاع أن يحقق أمله فأنشأ، بعد عدة سنوات من مقامه في حيفا، عصبة سرية شرطاها الأساسيان: أن يقتني العضو السلاح على حسابه الخاص، وأن يتبرع بما يستطيع لهذه العصبة. وكان الشيخ القسام ذا شخصية جذابة، حسن السيرة والمعاشرة، محدثاً لبقاً وخطيباً بارعاً. وقد ابتدأ يخرج إلى القرى منذ عام 1929 عندما عين مأذوناً شرعياً. فكان بمقتضى عمله هذا يحضر حفلات الأعراس، ويتعرف إلى الناس، ويستقي الأخبار، ويتصل بسائر طبقات الشعب. وقد ذكر الكثيرون من إخوان الشيخ القسام أنه كان يناقش المثقفين وأنصار الأساليب السلمية، وأنه كان يراقب المصلين هو يخطب فوق منبر المسجد، ويدعو من يتوسم فيهم الخير والاستعداد المتمرد ليقنعهم بالعمل لإنقاذ فلسطين مما يهددها من أخطار. وكان القسام في جميع مراحل عمله من الإقناع إلى ضم المناضلين إلى جماعته يستعين بالكتمان على تحقيق هدفه. فكان لا يبوح بالسر الذي يحمله، وهو الدعوة إلى الثورة لمنع إقامة وطن قومي صهيوني في أرض فلسطين، إلا لأشخاص قلائل بعد أن يدرس نفسيتهم ويمتحن إخلاصهم لمدة قد تطول عدة سنوات. وكان القسام في دعوته إلى التيقظ ضد مخاطر الاستعمار والصهيونية يدعو الناس إلى اتخاذ الكلمة ولم الشعث ورص الصفوف. وكان يبث الروح الوطنية في النفوس، ويلح على العودة إلى تعاليم السلف الصالح منذراً قومه بعواقب الشقاق والتمزق. وكان أنصار القسام يتألفون من العمال والفلاحين والباعة الذين كانوا يحضرون دروسه، فكان يحضهم على وجوب الجهاد، وينمي في نفوسهم روح المقاومة استعداداً لحمل السلاح حينما يحين وقت الثورة. ج- أجهزة العمل: وهكذا أخذت نواة الحركة الثورية تتألف حول القسام وتتسع بمرور الزمن بسرعة مذهلة. وازداد عدد المنضمين إلى جهازه الذي أداره القسام بمهارة وحكمة ولباقة، وشكل القسام من أفراد المنظمة حلقات صغيرة تتألف الواحدة منها من رقيب وخمسة أفراد. وكان أفراد الحلقة الواحدة يعرف بعضهم بعضاً، ويعرفون الزعيم (القسام)، ولكنهم لم يكونوا يعرفون إطلاقاً أي شيء عن الحلقات الأخرى وأفرادها. كذلك شكل القسام مجموعات قيادية تتألف من كبار رجال التنظيم، منها مجموعة للتدريب العسكري، ومجموعة لجباية الأموال، ومجموعة للاتصالات السياسية والشعبية، ومجموعة لشراء السلاح، وأخرى للتجسس على البريطانيين والصهيونيين. وكانت أخطر مجموعة شكلها القسام هي مجموعة الدعاية للثورة، ومهمتها الأساسية إقناع الناس بعدم جدوى التعاون مع الإنكليز أو الاعتماد عليهم، وبأن الجهاد في سبيل الله والوطن هو الطريق الوحيد لبلوغ الأهداف. وكان من مهامها أيضاً توجيه الناس للتعاون والتضافر والأخلاق الحميدة، ومقاومة ما كان يبذله الإنكليز والصهيونيين من جهود لثلم وحدة الصف العربي وصرف أنظار العرب عن المقاومة والكفاح. وعرف أكثر وأكبر المنتظمين في هذا الجهاز السري باسم (الشيوخ)، على أنهم والشبان الذين انضووا تحت لواء القسام ظلوا مجهولي الهوية والأسماء لا يعرفهم الناس. وقد عرف فيما بعد، ولا سيما بعد استشهاد القسام، أسماء بعض كبار رجال منظمته وبعض الشبان الوطنيين العاملين معه. وكانت مدينة حيفا تتقدم وتتطور فانتقل الكثيرون من العرب من مناطق القدس* ونابلس* وجنين* وغيرها للعمل فيها، وتضاعف عددهم على مر الأيام فوجدت في حيفا كتلة عامة قوية من العمال وغيرهم كانت في الحقيقة المعين الذي اختار منه القسام المؤهلين للعمل. ومما هو جدير بالذكر أن القسام كان قد أوجد في عدد من قرى لواء الشمال تشكيلات مسلحة سرية من الشبان مهمتها مناوشة القوات البريطانية وانجاد المجاهدين في حالة وقوع اصطدام مع الصهيونيين أو الإنكليز ولما بدأت المنظمة أعمالها انضم إليها المزيد من الشباب الوطني. د- المال والسلاح: كانت مهمة تمويل حركة القسام ومدها بالسلاح صعبة للغاية بسبب الأحوال السائدة، وسريان مفعول أنظمة الطوارىء والقوانين الاستثنائية. وكانت مصادر التمويل متعددة وسرية منها: 1)  تبرعات الأفراد المنتظمين. 2)  تبرعات من أبناء حيفا كان يتولى جمعها سراً بعض أعضاء الحركة والرجال الوطنيين. 3)  تبرعات من الجمعية الإسلامية في حيفا تسجل في ميزانيتها تحت بند مساعدة المعوزين من المسلمين. أما الحصول على السلاح والعتاد فقد كان أكثر صعوبة من الحصول على المال. وقد قدم كبار قادة المنظمة بعض البنادق والمسدسات القديمة في حين أن بعض أنصار القسام ومريديه في جبلة واللاذقية هربوا إلى حيفا كمية صغيرة من السلاح. هـ- بداية العمل المسلح: برمج القسام ثورته في أربع مراحل: 1)     الإعداد النفسي ونشر روح الثورة المسلحة. 2)     إنشاء حلقات سرية. 3)     تشكيل لجان قيادية لجمع التبرعات وشراء السلاح. 4)     الثورة المسلحة. وكان يرمي أثناء تطبيق هذا البرنامج إلى الاسهام مع أصحابه في تنهيئة أكبر عدد ممكن من المجاهدين، وتدريبهم وتجهيزهم للقيام بثورة عامة في فلسطين في الوقت الملائم، وبعد اكتمال الاعداد. على أن عدة عوامل واعتبارات هامة جابهت العرب في عامي 1933 و1934 دفعت القسام ومنظمته إلى البدء بالعمل المسلح، قبل أن يتم العاملون التأهب والإعداد. وكان من هذه العوامل والاعتبارات: 1)        تدفق الهجرة الصهيونية إلى فلسطين* بصورة مخيقة. 2)        اندفاع الصهيونيين، تؤيدهم بريطانيا، في التسلح وتشكيل المنظمات الإرهابية السرية. 3)        استفحال خطر تسرب الأراضي إلى اليهود وتفاقم أعمال السماسرة والخونة والجواسيس في خدمة الأعداء. تحت ضغط هذه العوامل، وفي ضوء تعطش الشعب الفلسطيني إلى مقاومة الأعداء بالقوة، بدأ القسام العمل المسلح. ولكنه لم يخض في بادىء الأمر ثورة مكشوفة ضد الأعداء، وآثر الضربات الخاطفة والأعمال الفردية والمحلية ليقينه بأن من شأنها إزعاج الأعداء ورفع معنويات الشعب وتعميق الدعوة للتمرد والعصيان. و- العمليات الثورية: عندما قرر القسام القيام بأعمال مسلحة ضد الأعداء لم يكن الشعب أو الإنكليز أو اليهود يعلمون شيئاً من المنظمة القسامية، فيما كان الشيخ القسام يمارس وظائفه وأعماله في حيفا ويظهر أمام الجميع. قام القساميون وتشكيلات الشباب المرتبطة بهم فور صدور قرار القسام بسلسلة من الأعمال ضد المستعمرات الصهيونية ودوريات الجيش البريطاني والشرفة، وأشاعت هذه الأعمال القلق والذعر في الأوساط الإنكليزية والصهيونية، وحلت بها الخبرة والتخبط لعدم معرفتها أصحاب هذه الأعمال ومن يقف خلفهم. ولم تقع معارك كبيرة مكشوفة بين القساميين والجيش، إذ اقتصرت أعمال المجاهدين على مهاجمة المستعمرات الصهيونية ودوريات الشرطة والجيش ثم الاختفاء، وهي من أساليب حرب العصابات. وقد ألحقت هذه الأعمال خسائر كبيرة بالممتلكات والمزروعات الصهيونية، وأدت إلى قتل كثير من الإنكليز والصهيونيين. ووقعت اصطدامات شديدة وواسعة بعض الشيء بين المجاهدين وقوات السلطة في كل من أم الزينات* وفرادة وعرابة* والبطوف* وبيت دجن والناصرة* وجبل الكرمل* وبلد الشيخ* ووادي الطبل بالكرمل وشعب ولوبية*. وفي عام 1933 هاجم عدد من المجاهدين مستعمرة نهلال الواقعة قرب الطريق الرئيس بين حيفا والناصرة. وكان هجوماً مركزاً استعملت فيه القنابل والمتفجرات، مما ألحق بالمستعمرة خسائر كبيرة في الأرواح والأموال. وأثار هذا الهجوم غضب الإنكليز والصهيونيين فانطلقوا يسخرون مختلف وسائلهم للعثور على الذين قاموا بالهجوم على تهلال. وبعد مرور نحو ثلاثة أشهر على هذا الهجوم وبفضل أعمال التجسس التي قام بها بعض العملاء من رجال الشرطة وتمكن الإنكليز من القبض على صالح أحمد طه ومصطفى علي الأحمد وخليل محمد عيسى* (أبي إبراهيم الكبير) وأحمد الغلاييني وأحمد التوبة وآخرين غيرهم وقادوهم إلى المحاكمة، فأصدرت المحكمة حكماً بالإعدام على مصطفى علي الأحمد، وبالسجن 25 عاماً على أحمد الغلاييني، وبرأت الآخرين. وكانت المحاكمة، وقد شغلت الرأي العام العربي، غاية في الأهمية والخطورة لأن المتهمين الذين مثلوا أمام المحكمة تخلصوا بلباقة وحسن تصرف من محاولات النائب العام والقضاة حملهم على الاعتراف بوجود منظمة سرية. ومن المهم جداً أنه لم يرد ذكر القسام خلال المحاكمة. وتأكد المجاهدون أن ضابطي الشرطة حليم بسطة وأحمد النايف هما اللذان اكتشفا “المهتمين” وحرضاً الانكليز عليهم، وأنهما كانا ينشطان لمعرفة أسرار المنظمة نفسها، فاغتالهما المجاهدون في وسط مدينة حيفا بعد أيام من انكشاف أمرهما. ومن العمليات المعروفة لجماعة القسام هجوم على مستعمرة عتليت، وقتل عدد من الصهيونيين، وتصديهم لقافلة من السيارات كانت تنقل عمالاً صهيونيين والقضاء على عدد منهم. ومن الأعمال الأخرى البارزة التي قام بها المجاهدون ملاحقة باعة الأراضي والسماسرة وعملاء السلطة من العرب، وأفراد الشرطة الذين كانوا يمعنون في اضطهاد الوطنيين. وكان نصيب عدد كبير منهم الاغتيال. وقد أشار التقرير السنوي لحكومة الانتداب لعام 1935 إلى أن الحكومة كان لديها شك كبير في أن “لعصابة القسام علاقة بالأعمال الإرهابية التي حدثت خلال السنوات السابقة”. استمرت الاصطدامات بين الثوار وقوى السلطة، وازداد عدد الهجمات على المستعمرات الصهيونية. واتسعت عملية اغتيال باعة الأراضي والسماسرة، الأمر الذي ضاعف من جهود الأعداء لمعرفة الحقيقة. ولم يلبث الشيخ القسام وجماعته أن قرروا القيام بالثورة علناً لرفع معنويات الجماهير وإبراز الأهداف التي يجاهدون في سبيل تحقيقها، ولإحباط الدعاية المعادية التي كانت تحاول إظهار أعمال القساميين على أنها أعمال إجرامية هدفها السلب والنهب. وقد أصبح الوضع في عام 1935 لا يحتمل مزيداً من تأجيل إعلان الثورة، فقد بلغ خطر الهجرة اليهودية حداً كبيراً، أصبح تسلح الصهيونيين بمساعدة الإنكليز أمراً لا يجوز السكوت عنه. وهكذا تقرر البدء بالتحرك من أجل الثورة في المنطقة الجبلية شمالي فلسطين. ومن أجل التنفيذ عقد اجتماع في منزل محمود سالم المخزومي في حيفا ليلة 12/11/1935 حضره أركان الثورة وزعيمها. وكان أصحاب القسام باعوا حلي زوجاتهم. وبعض أثاثهم واشتروا بها بنادق وذخائر. ثم قصدوا الجبال القريبة من حيفا، ولجأوا إلى أحراج بلدة يعبد* من قضاء جنين، واختاروا الشيخ زيد قاعدة لهم. وفي الوقت ذاته تسلل عدد كبير من جماعة القسام وشبان مسلحون إلى مدينة حيفا لمساندة الهجوم المنتظر الذي سيثنه القسام وجماعته على المدينة منطلقاً من أحراج يعبد. وعلم الإنكليز أن القساميين موجدون في أحراج يعبد، وأنهم يستعدون للدخول في معركة مع قوات الحكومة. وبلغهم أن المسلحين من أهل القرى المجاورة جهزوا أنفسهم لإنجاد القساميين. على أن الإنكليز لم يعلموا أن القسام نفسه كان على رأس رجاله في أحراج يعبد، ولذلك ضاعفوا جهودهم للقبض عليه في حيفا وقاموا بعمليات تفتيش إرهابية في منطقتها. وأرسل الإنكليز قوات كبيرة حاصرت أحراج يعبد في حين كان القسام فقد أقام بعض نقاط لرصد تحركاتهم على حدود المنطقة الحرجية، فحدثت عدة اصطدامات بين طلائع القوات البريطانية وطلائع القساميين، قتل خلالها جندي بريطاني وبعض رجال الشرطة، الأمر الذي أثار المسؤولين البريطانيين فأمروا القوات المحاصرة باقتحام الأحراج ومنازلة القساميين. وتعاظم عدد القوات البريطانية تدعمها المصفحات والدبابات في حين قامت الطائرات البريطانية بطلعات استكشافية متواصلة لمعرفة مواقع القساميين وأعدادهم. استمرت المناوشات بين الإنكليز والقساميين نحو خمسة أيام. ثم تبين للإنكليز أن القسام نفسه موجود في المنطقة. فشنوا هجوماً مركزاً ضده القساميون بعزم وتصميم، وبعث الإنكليز بعض رجال الشرطة العرب لإقناع القسام وزملائه بالاستسلام. ولكن القسام وأصحابه رفضوا هذا الطلب واختاروا الجهاد والشهادة. عندئذ تحركت قوات السلطة وما معها من مصفحات ودبابات وطائرات في هجوم واسع النطاق على القساميين. وحين أدرك الثوار قوة الزحف البريطاني تصبح بعضهم الشيخ القسام بمغادرة الأحراج. وكان في استطاعته اختراق الحصار والنجاة بنفسه ويمن يرافقه من رجاله على أن يبقى الآخرون لمناوشة القوات الزاحفة. ولكن القسام رفض هذه النصيحة وهيأ نفسه للقتال وللشهادة. ز- استشهاد القسام: في 20/11/1935 وقعت المعركة الكبرى بين القساميين والأعداء، وقد استمرت أربع ساعات هلك خلالها عدد غير قليل من رجال السلطة واستشهد من القساميين الشيخ يوسف عبد الله، وأحمد الشيخ سعيد، وسعيد عطية أحمد، وأحمد مصلح الحسين، وجرح عدد آخر. واستؤنفت المعركة الضارية بعد ظهر اليوم ذاته فاستشهد فيها الشيخ عز الدين القسام وجرح عدد من زملائه، أما الباقون فانهم استطاعوا اختراق الحصار والوصول إلى منطقة الشمال الفلسطينية وهم يحملون جثة قائدهم الشهيد إلى مدينة حيفا، ووقع عدد صغير من المجاهدين أسرى بأيدي الإنكليز فنقلوهم إلى سجن نابلس. اضطرب الرأي العام الفلسطيني لدى سماعه أنباء المعركة واستشهد القسام. وقد اشتد غضب الشعب على الحكومة لأنها أشارت في بلاغها الرسمي الذي أصدرته بعد انتهاء المعركة إلى القساميين بأنهم “عصبة من الأشقياء”. هرع إلى حيفا عدد كبير من زعماء البلاد للاشتراك في تشييع جثمان القسام. وغصت حيفا بوفود كثيرة العدد حضرت من جميع أنحاء فلسطين، في حين قضى أهل حيفا ليلتهم بانتظار تشييع الجنازة وأعلنوا الاضراب العام فيها. نعي الشيخ القسام وصحبه من مآذن المسجد الأقصى ومساجد فلسطين. وصلى الناس عليهم في كل مكان صلاة الغائب. وحملت الجماهير نعش القسام، وسار موكب الجنازة مجللاً بالأعلام السورية والمصرية والعراقية والسعودية واليمنية. ودفن الشهيد في مقبرة الياجور قرب بلد الشيخ التي تبعد 7 كم تقريباً عن حيفا. وقد استغرقت مسيرة الجنازة نحو 4 ساعات، وتحولت الى مظاهرة عاصفة، ووقعت عدة اصطدامات دامية بين الجماهير قوات الحكومة جرح فيها كثيرون من الجانبين. ترك استشهاد القسام رد فعل عنيفا في الأوساط الفلسطينية والعربية، فعمت المظاهرات الصاخبة مدن فلسطين وقراها، ونادى خلالها المتظاهرين بوجوب الثأر للشهداء والالتجاء الى القوة المسلحة لمحاربة الأعداء. وجرت في العواصم العربية مظاهرات ومهرجانات مماثلة. وكان لحركة القسام واستشهاده أكبر الأثر في التعجيل بانجاز مهمة التنظيم السري والدعوة للثروة. وقد غدا الشعب برمته مؤمناً بوجوب النضال المسلح. ح- استمرار الثورة: لم يؤد استشهاد الشيخ عز الدين القسام وبعض زملائه في معارك أحراج يعبد إلى ما كان يأمله الأعداء من توقف الأعداء الجهاد، ذلك أن القساميين أعادوا تنظيمهم، واختاروا خليل محمد عيسى (أبا إبراهيم الكبير) لقيادة منظمتهم، في حين ازداد عدد أفراد المنظمة كثيراً، وبادر الكثيرون من الشبان إلى الانضمام إلى المجاهدين، وقد حفزهم إلى هذا التطوع استشهاد القسام والروح الثورية التي بثها في حياته وجسدها في مماته. اختار القساميون شمال فلسطين (أقضية حيفا وعكا وصفد والناصرة) قواعد لأعمالهم، واعتصموا بصورة خاصة في الجبال الشاهقة المعروفة في شمال البلاد. واستأنفوا شن الهجمات الشديدة على المستعمرات الصهيونية وقوات الجيش والشرطة. وقد حدثت معارك خطيرة بين القساميين وقوات السلطة في دالية الكرمل وشعباً والمغار ولويية وصفورية* وغيرها استشهد فيها بعض المجاهدين، وهلك من الأعداء كثيرون. وشكل القساميون “محكمة ثورة” خاصة في “المخالفات الدينية والقومية” التي يرتكبها بعض العرب كبيع الأرض لليهود، أو السمسرة عليها لحساب الأعداء، أو القيام بأعمال تجسسية ضد المجاهدين. وقد دانت هذه المحكمة عدداً من العرب كان مصيرهم الإعدام. ظل القساميون في الميدان خلال الأشهر الستة التي أعقبت استشهاد القسام. ولما نشبت الثورة الفلسطينية في مطلع أيار 1936 انضموا إليها، وقاموا بأعمال مجيدة تسجل لهم بغبطة وافتخار. ط- خلاصة: تشكل ثورة الشيخ عز الدين القسام وإخوانه وتلامذته منعطفاً في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، فقد تميزت بأنها الثورة المسلحة المنظمة الأولى التي اعتمدت الكفاح المسلح أسلوباً لتحرير فلسطين من الاستعمار البريطاني والصهيونية واتبعت قيادتها طريقة إنشاء الجماعات الثورية. وكان اعتماد القسام على طبقتي الفلاحين والعمال واضحاً في إقامة تنظيمه الثوري أكثر من اعتماده على المثقفين وغيرهم من طبقات المجتمع.         ومن الملاحظ أن إطار الثورة لم يمتد أو يتسع، ولم يطل زمن الثورة. وعلة ذلك أن الشيخ القسام كان شديد الحذر في قبول انضمام المناضلين إلى حركته، فقد كان يخشى اندساس العملاء أو المنافقين. وبالإضافة إلى ذلك كان نضال الحركة الوطنية الفلسطينية متسماً يومذاك بالسعي إلى نوال الحقوق بمختلف أساليب النضال عدا أسلوب الكفاح المسلح. لهذا بدأ القسام متأنياً في إقامة تنظيمه، ساعياً إلى تنفيذ برنامجه بدقة وتصميم. مقتنعاً بأن أنطلاق جماعة ثورية متماسكة، مدربة تدريباً حسناً، متعاهدة على الجهاد والشهادة، سيكون كافياً لاستقطاب عدد كبير من الثوار، فنشأ جماعات ثورية متعددة في مختلف أنحاء البلاد ذات أهداف وقيادة واحدة. غير أن الظروف التي كانت سائدة في فلسطين لم تمهل القسام لاكمال تنفيذ برنامجه، مما دفعه إلى بدء الثورة في أحراج يعبد. ولم يطل الزمن بانطلاقة القسام وصحبه في الثورة حتى انقضت عليهم قوات الاستعمار وهي أكثر منهم عدة وعدداً. وعلى الرغم من أن التنظيم الذي أعده القسام ودربه للثورة لم يكن كبيراً فقد قدرته بعض المراجع بنحو 200 مناضل و800 من الأنصار. على الرغم من ذلك كان لثورة القسام معنى سام أكثر من حجمها العددي، وكانت رمزاً وتمهيداً وقدوة للحركة الثورية التي سادت فلسطين بعد عدة أشهر من استشهاد القسام، وهي ثورة 1936 – 1939*. ولقد أقام القسام تنظيمه الثوري ووضع برنامجه ونفذه منطلقاً من إيمانه بأن الجهاد المسلح وحده هو الذي يستطيع أن يمنع بريطانيا من إقامة “وطن قومي يهودي” في فلسطين. وفي المقابل هذا الإيمان الذي كان جوهر حركة القسام وتنظيمه الثوري لم تكن الأحزاب والقيادات الفلسطينية العاملة في الحركة الوطنية يومذاك تؤمن بأن وقت الثورة المسلحة قد حان، وبأن الشروط أصبحت متوافرة للعمل الثوري المسلح. ومن هنا تضاربت آراء المؤرخين حول علاقة الشيخ القسام بالأحزاب والقيادات الفلسطينية، فمنهم من قال إن القسام كان عضواً في حزب الاستقلال* في حيفا، وإنه كان على صلة وثيقة ببعض أركانه. ومنهم من قال إن البعض زعماء الحركة الوطنية صلات بالتشكيلات الثورية في تنظيم القسام. وذكرت مصادر الهيئة العربية العليا لفلسطين* أن القسام كان عضواً في لجنة الحزب العربي* التنفيذية، وأنه كان أكثر رجال الحزب اتصالاً بالمفتي وتعاوناً معه، وأنه تمت في خريف 1935 مباحثات سرية بين القسام وصحبه وبين المفتي ورجال الحركة الوطنية في القدس انتهت بالاتفاق على انتهاج خطة معينة في مقارعة الأعداء. وأشارت مصادر أخرى إلى أن القسام لم يكن مؤمناً بأي حزب ولم يكن مرتبطاً بأية جهة. غير أن من يتتبع أدوار حركة القسام منذ نشوئها حتى استشهاد قائدها، ويدرس شخصية الشيخ وفكره وصفاته، يدرك أن جوهر حركته وأسلوبها وهدفها تتطلب استقلالاً في التفكير والتخطيط والتعبئة الثورية والتنفيذ. ولهذا فإن كان للقسام علاقات تعاون وصلات طيبة بالأحزاب الوطنية والقيادات الفلسطينية العاملة في الحقل الوطني يومذاك فإن تلك العلاقات والصلات لم تبلغ حد المساس باستقلال حركة القسام، عقيدة وتخطيطاً وتنفيذاً. المراجع: –         ناجي علوش: المقاومة العربية في فلسطين (1917 – 1948)، بيروت 1970. –         أحمد طربين: قضية فلسطين (1897 – 1948)، دمشق 1968. –         صبحي ياسين: الثورة العربية الكبرى في فلسطين (1936 – 1939) القاهرة 1967. –         عبد الوهاب الكيالي: تاريخ فلسطين الحديث، بيروت 1973. –         مجلة فلسطين: العدد 3، 15/3/1961. –         مجلة شؤون فلسطينية: العدد 6، كانون الثاني 1972.