عبد القادر الحسيني

هو واحد من أبرز الفادة العسكريين الوطنيين الفلسطينيين. والده موسى كاظم الحسيني*، رأس الحركة الوطنية الفلسطينية في مواجهة الاحتلال البريطاني والحركة الصهيونية، حتى وفاته في ربيع عام 1934. ولد عبد القادر الحسيني في إستانبول، في تركيا، حيث كان والده عضواً في مجلس المبعوثان*، وأنهى دراسته الأولية في مدرسة روضة المعارف* الابتدائية في القدس والتحق بمدرسة صهيون* ونال شهادة “المتريكوليشن” سنة 1927. التحق بكلية العلوم في الجامعة الأمريكية في القاهرة. وهناك عايش الحركة الوطنية المصرية في نهوضها، واحتك بحزب الوفد المصري، كما مارس نشاطه السياسي من خلال رابطة الطلبة الشرقين، واكتشف مدى خطورة الدور السياسي الذي تلعبه الجامعة الأمريكية. فانتهز فرصة حفل تخرجه وتخرج زملائه، الذي أقامته الجامعة في صيف سنة 1932، ووقف خطيباً في الحضور، وبينهم الوزراء ورجال السلطة، فكشف زيف الدور العلمي الذي تزعم الجامعة الأمريكية القيام به، واتهمتها بأنها بؤرة إفساد ديني، إذ تطعن في الدين الإسلامي وتشوه الدين المسيحي، وانتهى إلى أن طالب المصريين بمقاطعة الجامعة الأمريكية. وبعد عدة أيام وزع بياناً لتفصيلها على الصحف المصرية، ضمنه اتهاماته للجامعة الأمريكية. واثر ذلك أصدرت الحكومة المصرية – في عهد اسماعيل صدقي باشا – أمراً بطرد عبد القادر الحسيني من مصر، مع نهاية سنة 1932. عاد عبد القادر الحسيني إلى فلسطين، ليعمل محرراً في صحيفة الجامعة الإسلامية، التي كان يترأس تحريرها الشيخ سليمان التاجي الفاروقي*. ثم عمل مأموراً في دائرة تسوية الأراضي في فلسطين. وفي هذه الدائرة تمكن عبد القادر من إحباط أكثر من محاولة للاستيلاء على أراض عربية. على أنه بعد أقل من سنتين استقال من عمله في تسوية الأراضي، حتى يحضر للثورة على الاحتلال البريطاني والحركة الصهيونية. مع اشتعال ثورة 1936 – 1939* لجأ عبد القادر إلى الجبال، وخاض    عدة اشتباكات مع الجنود البريطانيين، أهمها اشتباك الخضر (4/10/1936) الذي سقط فيه القائد السوري سعيد العاص* شهيداً، كما أصيب عبد القادر الحسيني بجروح بالغة، وتمكنت القوات البريطانية من أسره. لكنه نجح في الفرار من المستشفى العسكري في القدس، وتوجه إلى دمشق، حيث استكمل علاجه. عاد عبد القادر مع بداية سنة 1938 إلى فلسطين، وتولى قيادة الثوار في منطقة القدس. وفي أوائل أيار من تلك السنة قاد هجوماً عسكرياً على مستعمرة “فيغان” الصهيونية، جنوب القدس. كما كبد القوات البريطانية في القدس* وبيت لحم* والخليل* وأريحا* ورام الله* وبئر السبع* خسائر جسيمة في الأرواح والمعدات. ونجح في القضاء على فتنة دينية، كان الانتداب البريطاني يسعى إلى تحقيقها ليرفع بين مسلمي فلسطين ومسيحييها. وفي خريف سنة 1938 ضربت القوات البريطانية حصاراً محكماً على قوات الثوار، بين بيت لحم والخليل. وسقط في تلك المواجهة غير المتكافئة الكثير من الثوار الفلسطينيين، ما بين قتيل وجريح، وكان نصيب عبد القادر جراحاً بالغة، نقله زملاؤه بعدها إلى المستشفى الإنكليزي في الخليل، حيث قدموا الإسعافات الأولية له، ثم نقلوه خفية إلى سورية، فلبنان، ومن هناك نجح في الوصول إلى العراق بجواز سفر عراقي، يحمل اسم محمد عبد اللطيف. في بغداد عمل عبد القادر مدرساً للرياضيات في المدرسة العسكرية في معسكر الرشيد، وفي إحدى المدارس المتوسطة. ثم التحق في أول نيسان سنة 1940 بدورة لضباط الاحتياط في الكلية العسكرية مدتها ستة أشهر. أيد عبد القادر الحسيني ثورة رشيد عالي الكيلاني الوطنية العراقية، التي نشبت في آذار سنة 1941، وشارك مع كثيرين من رفاقه الثوار الفلسطينيين اللاجئين إلى العراق في قتال القوات البريطانية. وعندما انهزمت الثورة حاول مع رفاقه الالتجاه إلى إيران، لكن السلطات الإسرائيلية منعتهم، فألقت السلطات العراقية القبض عليهم. وأصدرت المحاكم أحكامها بسجن عبد القادر ورفاقه. وتحت ضغط الرأي العام العراقي والرموز الوطنية العراقية، استبدل السجن بالنفي عشرين شهراً إلى بلدة زاخو في أقصى شمال العراق. ثم نقل عبد القادر إلى معتقل العمارة بعد اتهامه بتدبير اغتيال فخري النشاشيبي. وفي معتقل العمارة قضى زهاء سنة أخرى. أفرجت الحكومة العراقية عنه في أواخر سنة 1943 بعد تدخل الملك عبد العزيز آل سعود، ملك العربية السعودية. فتوجه إلى السعودية، وأمضى فيها عامين، متنقلاً بين مكة المكرمة والطائف، ترافقه أسرته. وفي مطلع سنة 1944 تسلل عبد القادر الحسيني من السعودية إلى ألمانيا، حيث تلقى دورة تدريب على صنع المتفجرات وتركيبها، ثم انتقل وأسرته إلى القاهرة مع بداية سنة 1946. ثم أمرت حكومة السعديين المصرية بإبعاده سنة 1947، بسبب نشاطه السياسي وصلاته بعناصر من حزب مصر الفتاة وجماعة الإخوان المسلمين في مصر، وتجميعه الأسلحة وتدريبه بعض الفلسطينيين والمصريين على المتفجرات. لكن الضغوط التي مارستها القوى الوطنية المصرية حالت دون تنفيذ ذلك الإبعاد. وعندما أصدرت الأمم المتحدة قرارها القاضي بتقسيم فلسطين* (29/11/1947) قررت الهيئة العربية العليا* تشكيل منظمة الجهاد المقدس المسلحة، وعين محمد أمين الحسيني* – رئيس الهيئة العربية العليا – قائداً أعلى للجهاد المقدس، في حين احتل عبد القادر الحسيني موقع القائد العام لهذه المنظمة. وانتقل إلى فلسطين في 22/12/1947 وألف “مجلس قيادة الثورة” و”لجنة التموين وحشد النجدات” (رَ: جيش الجهاد المقدس). كانت خطة عبد القادر الحسيني تنحصر في: 1) اعتماد الشعب الفلسطيني على ذاته، 2) طلب الامداد العسكري من الأقطار العربية، 3) إعلان قيام حكومة عربية فلسطينية. وبالرغم من ميل ميزان القوى العسكري إلى صالح العصابات الصهيونية المسلحة في نواحي التدريب والتسليح والحجم، فإن قوات الجهاد المقدس، بقيادة عبد القادر الحسيني، تمكنت من إحراز انتصارات هامة، إذ استسلم صهيونيو القدس بعد أن حاصرتهم هذه القوات، كما نصبت قوات الجهاد المقدس عدة كمائن ناجحة للقوات الصهيونية، ونسفت بعض المؤسسات الصهيونية، مثل معمل الكحول عند مدينة يافا، وبناية حزيون، ومقر الوكالة اليهودية بالقدس (رَ: الوكالة اليهودية، نسف مبنى)، ومعمل الجير، وبناية المطاحن في حيفا، وبناية شركة سوليل يونيه، ودار الصحافة اليهودية في القدس، التي تضم شركة صحافة القدس، وصحيفة علي همشمار، وصحيفة هامشكيف، ووكالة اليونايتدبرس، والوكالة اليهودية للأنباء، فصلاً عن نسف حي منتفيوري* وشارع بن يهودا* في القدس. وقد شن عبد القادر الحسيني بقواته هجمات قوية ضد مستعمرات بني يعقوب، وعطاروت، وميكور حاييم، ورامات راحيل، وتل بيوت، وسانهدريا. وتمكنت قوات الجهاد المقدس من السيطرة على منطقة القدس ومن التحكم في خطوط المواصلات التي تربط بين أغلب المستعمرات الصهيونية في فلسطين. وفي أواخر آذار سنة 1948 توجه عبد القادر الحسيني إلى دمشق، طلباً للسلاح من جامعة الدول العربية، لكن رجاءه خاب. وأثناء غيابه عن القدس سقطت قرية القسطل* في أيدي العصابات الصهيونية المسلحة، فعاد ومعه ستون بندقية انكليزية قديمة وعشرة مدافع رشاشة وبعض قنابل، هي كل ما استطاع انتزاعه من الجامعة العربية ولجنتها العسكرية (رَ: اللجنة العسكرية التابعة لجامعة الدول العربية)، فضلاً عن ثمانمائة جنيه فلسطيني أعطاه إياها الحاج أمين الحسيني. ووصل عبد القادر إلى القدس صباح 7/4/1948، فنظم هجوماً مسلحاً على القسطل، استطاعت قواته أن تسترد الموقع في اليوم التالي (8/4). ولكن هذا القائد البطل استشهد أثناء القتال (رَ: القسطل، معركة) تاركاً وراءه زوجة وثلاثة أبناء وابنة واحدة. ودفن في القدس إلى جانب قبر والده.   المراجع:   –         نبيل خالد الأغا: قضية فلسطين في سيرة بطل “الشهيد الحي عبد القادر الحسيني”، بيروت 1980. –         مجلة شؤون فلسطينية: عبد القادر الحسيني في ذكراه الخامسة والعشرين، العدد 20، بيروت 1973. –         مجلة العربي: عبد القادر الحسيني، عدد أبريل، الكويت 1961.