جمال عبد الناصر

قائد ثورة سنة 1952 في مصر، ورئيس الجمهورية العربية المتحدة. ولد في الإسكندرية، وهو الابن الأكبر لأسرة عربية مصرية من عامة الشعب، إذ كان والده موظفاً صغيراً في مصلحة البريد بقرية الخطاطبة بين القاهرة والإسكندرية. وتنتمي الأسرة إلى بني مر في صعيد مصر. بدأ عبد الناصر تعليمه في مدرسة القرية، ثم انتقل إلى الاسكندرية حيث نال شهادته الابتدائية (1931)، فالتحق بإحدى مدارسها الثانوية، ولكن اشتراكه في مظاهرات 1933 كان السبب المباشر لتوجهه نحو القاهرة. وهناك أدخله عمله مدرسة النهضة. ونال الشهادة الثانوية سنة 1935، فالتحق بكلية الحقوق، ولكنه لم يمكث فيها طويلاً لأن حكومة الوفد، بعد أن أبرمت معاهدة 1936 مع الإنكليز، أصدرت مرسوماً يقضي بفتح الكلية الحربية أمام المتفوقين من الشبان المصريين، بصرف النظر عن طبقتهم الاجتماعية، أو ثروتهم المادية، فترك جمال عبد الناصر كلية الحقوق بعد ستة أشهر، والتحق بالكلية الحربية مع عدد من رفاقه، وسرعان ما ظهر تفوقه الثقافي والعسكري على أقرانه. حصل على رتبة ضابط عند تخرجه من الكلية العسكرية سنة 1938 وعين بسلاح المشاة في قرية منقباد في محافظة أسيوط. وفي سنة 1929 نقل إلى الاسكندرية. وبعيد نشوب الحرب العالمية الثانية نقل إلى كتيبة بريطانية تعسكر خلف خطوط القتال بالقرب من العلمين للتدريب لمدة شهر. ثم تنتقل بين مرسى مطروح والسودان، وعاد إلى العلمين سنة 1942. حصل جمال عبد الناصر على رتبة نقيب (يوزباشي) سنة 1943، وتخرج من كلية أركان الحرب في 12/5/ 1948، ومنح رتبة رائد (صاغ) والتحق بحرب فلسطين (رَ: حرب 1948). ثم نال دبلوم أركان الحرب في أيار 1951 ومنح رتبة مقدم (بكباشي)، وعين في العام نفسه مدرساً بكلية أركان الحرب. وفي 23 تموز 1952 قاد عبد الناصر ثورة الضباط الأحرار التي قضت على الملكية في مصر، وأعلنت الجمهورية. أصبح جمال عبد الناصر الرجل الأول بعد الثورة، وتقلد عدة مناصب سياسية، وهي: نائب رئيس الوزارة، ووزير الداخلية (1953)، ورئيس الوزراء (1954)، ورئيس جمهورية مصر (1956)، ورئيس الجمهورية العربية المتحدة بعد أن تحققت الوحدة بين مصر وسورية (1958). وبعد الانفصال سنة 1961 استبقى لمصر اسم الجمهورية العربية المتحدة، وظل على رأسها إلى حين وفاته بالسكتة القلبية في 28/9/1970. وخلال هذه الفترة، استطاع عبد الناصر أن يقوم بكثير من الأعمال، أهمها: إلغاء الملكية وإعلان الجمهورية في 18/6/1953 وإبرام معاهدة الجلاء مع بريطانيا سنة 1954، وجلاء القوات البريطانية عن مصر جلاء تاماً (1956)، وتأميم قناة السويس (26/7/1956)، وصدور دستور جمهورية مصر (1956)، ومجابهة العدوان الثلاثي الذي انتهى بهزيمة المعتدين في تشرين الأول 1956 (رَ: حرب 1956). حضر عبد الناصر كثيراً من المؤتمرات، في مقدمتها مؤتمر باندونغ سنة 1955 (رَ: المؤتمر الأسيوي – الأفريقي 1955) الذي أسفر من الناحية السياسية عن إعلان مبدأ الحياد الإيجابي، ثم عن إعلان قيام كتلة دول عدم الانحياز إثر مؤتمر بلغراد 1961 (رَ: عدم الانحياز، حركة). وأعلن بعد عودته من باندونغ كسر احتكار السلاح. وقد وصف دالاس وزير خارجية الولايات المتحدة آنذاك هذا الحديث بأنه “أخطر حدث دولي منذ حرب كوريا، بل منذ الحرب العالمية الثانية”. ودعا إلى عقد مؤتمرات القمة العربية* منذ سنة 1964 من أجل القضية الفلسطينية، واستمر في تبنيها حتى وفاته. ومن الناحية الفكرية والسياسية، كتب جمال عبد الناصر 1) 2) 3) 4) 5)تأتأ  عام 1954 كتاب “فلسفة الثورة”، وهو يضم أهم المبادىء التي انطلقت منها أفكاره السياسية، ثم الميثاق الوطني (21/5/1962)، وبيان 30 آذار 1968 الذين تبلورت فيهما تجارب عبد الناصر. ومن ناحية التنظيمات السياسية أعلن عبد الناصر تأسيس هيئة التحرير (1953)، والاتحاد القومي (1957)، ثم الاتحاد الاشتراكي (4/7/1962). تعود علاقة عبد الناصر بالقضية الفلسطينية إلى فترة مبكرة من حياته السياسية، فبعد صدور قرار تقسيم فلسطين* في 29/11/1947 كانت وجهة نظر عبد الناصر ورفاقه أن ما يحدث في مصر، وما يحدث في فلسطين “هو جزء من مخطط استعماري يستهدف الأمة العربية كلها”. ولذلك استقر رأيهم – من أول اجتماع عقد للضباط الأحرار بعد التقسيم – على مساعدة المقاومة الفلسطينية بالانضمام إلى فرق المتطوعين التي بدأت تتشكل في دمشق وغيرها من المدن العربية. وذهب جمال عبد الناصر لمقابلة محمد أمين الحسيني* مفتي فلسطين – وكان لاجئاً سياسياً في مصر – وعرض عليه خدمات الضباط الأحرار “كمدربين لفرق المتطوعين، وكمقاتلين معها، ولكن المفتي أجابه بأنه لا يستطيع قبول العرض دون موافقة الحكومة المصرية”. وعندما أنهت بريطانيا انتدابها على فلسطين رأى عبد الناصر ورفاقه “أن اللحظة جاءت للدفاع عن حقوق العرب”، واعتبروا ما حدث في فلسطين “انتهاكاً صارخاً، لا للعدالة الدولية وحدها، ولكن للكرامة الإنسانية كذلك”. اتخذ عبد الناصر خطوة إيجابية أخرى – بعد أن أبلغه محمد أمين الحسيني رفض الحكومة المصرية العرض الذي تقدم به – فطلب إجازة ليتمكن من الانضمام إلى المتطوعين. وقبل أن يبت في طلبه أمرت الحكومة المصرية الجيش المصري رسمياً بالاشتراك في الحرب (رَ: حرب 1948) وخاض عبد الناصر غمار حرب فلسطين، وتردد اسمه في معارك أسدود والنقب وعراق المنشية، كما اكتسب شهرة في حصار الفالوجة، ومنح وسام النجمة العسكرية تقديراً لأعماله الحربية. وفي غمار المعركة واصل جمال عبد الناصر توسيع دائرة تنظيم الضباط الأحرار،بعد اكتشاف الأسلحة الفاسدة من جهة، وبعد معرفة الطريقة التي كان يتم بها تسيير المعارك من جهة أخرى. فقد انتبه الضباط إلى أن القيادة العليا كانت تهتم باحتلال أوسع رقعة ممكنة من الأرض، دون النظر إلى قيمتها الاستراتيجية، أو إلى أثرها في إضعاف مركز الجيش خلال المعركة. وأثناء حصار الفالوجة تأكد عبد الناصر أن الحصار يشمل الوطن كله، وأن “المواجهة الحقيقية للاستعمار ولإسرائيل والعناصر الرجعية العربية التي تعاونت معها إنما تبدأ في الحقيقة من داخل الوطن”. وتحددت نقطة البداية “بأن يكون القتال في القاهرة، ليس في فلسطين”، حيث الانتهازيون وعملاء الاستعمار يتاجرون بالقضية ويشترون الأسلحة الفاسدة للجيش المصري. إذن، فقد ساهمت حرب 1948* وما نتج عنها، في قيام ثورة 23 تموز 1952، إلى جانب عوامل أخرى خاصة بمصر. كان أول تحرك دبلوماسي عربي لعبد الناصر بعد الثورة في إطار جامعة الدول العربية عندما ألقى في 25/8/1953 خطاباً في اجتماع رؤساء أركان الجيوش العربية قال فيه: “وفهمت شعوب العرب أنه إذا كان عليها أن تحارب حرباً واحدة فإن عليها قبل ذلك أن تحدد التعاون بينها وتنظمه بما يكفل تحقيق الهدف الواحد”. ومن هنا اتجه بعد اتفاقية الجلاء بين مصر وبريطانية سنة 1954 إلى إبرام معاهدات ثنائية مع الدول العربية، فعقد معاهدة مع سورية في 20/10/1955، ومع السعودية في 27 من الشهر نفسه، ومعاهدة ثلاثية بين مصر والسعودية واليمن في 21/4/1956. وكان القصد من وراء ذلك إقامة “ضمان عربي جماعي جديد” يحل محل الضمان الجماعي في إطار الجامعة العربية الذي تجمد بسبب انضمام العراق إلى حلف بغداد* (1955). وأثناء العدوان الثلاثي على مصر (رَ: حرب 1956) وقفت الأمة العربية إلى جانب مصر في تصديها للعدوان ومن أجل تحقيق الانتصار. خاض عبد الناصر معركة الأحلاف بنجاح، ثم استطاع بتأييد القوى الثورية العربية أن يهزم مشروع أيزنهاور*. ومضى نحو تحقيق هدف الوحدة، واستطاع أن يعلن باسم الأمة العربية ونضالها وتراثها ميلاد الجمهورية العربية المتحدة سنة 1958. وأعلن عبد الناصر تأييده للثورات العربية التي قامت بعد انفصال سورية عن مصر، وخاصة ثورة اليمن سنة 1962. وكان قبلها قد أيد ثورة الجزائر منذ سنة 1954، كما ساهم في محاولة إقامة وحدة ثلاثية بين مصر وسورية والعراق سنة 1963 (رَ: الوحدة الثلاثية ، مشروع) ومعاهدة دفاع مشترك مع سورية سنة 1966 التزم عبد الناصر بموجبها بالدفاع عن سورية إزاء التهديدات الإسرائيلية. وكان يرى أن “من واجب كل عربي أن يستجيب لهذا التهديد”، وأعلن إغلاق المضايق. ولما حدث عدوان خاص من حزيران 1967 (رَ: حرب 1967) لم تتغير سياسة عبد الناصر الوحدوية، فرفض الصلح مع (إسرائيل)، أو الاعتراف بها، وعبر عن رأيه هذا في مؤتمر الخرطوم الذي عقد في آب سنة 1967 واشتهر “باللاءات الثلاث”: لا تفاوض، لا اعتراف، لا صلح مع إسرائيل (رَ: القمة العربية، مؤتمرات). وبدأت حرب الاستنزاف مع (إسرائيل) تمهيداً لتوجيه ضربة حاسمة، ولكنه توفي قبل تحقيق هذا الهدف (رَ: الاستنزاف المصرية – الإسرائيلية، حرب). أيد جمال عبد الناصر الثورة الفلسطينية المسلحة، واعتبرها أنبل ظاهرة في الأمة العربية. وجرى بإشرافه توقيع اتفاقية القاهرة بين منظمة التحرير الفلسطينية* والحكومة اللبنانية في تشرين الثاني 1969. وأثناء أحداث أيلول 1970 في الأردن دعا جمال عبد الناصر إلى عقد مؤتمر قمة عربي استثنائي لبحث الوضع في الأردن (رَ: القمة العربية، مؤتمرات) انتهى إلى توقيع اتفاقية القاهرة بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الأردنية. توفي جمال عبد الناصر بعد انتهاء مؤتمر القمة العربي مباشرة اثر سكتة قلبية يوم 28/9/1970، وشيع جثمانه في أضخم حشد جماهيري شهداء الوطن العربي، إذ اشترك فيه ما يقارب 5 ملايين مواطن، ومعظم رؤساء وملوك الدول العربية ودول عدم الانحياز، والدول الأخرى. المراجع:   –         جمال عبد الناصر: فلسفة الثورة، القاهرة. –         مجموعة خطب وتصريحات جمال عبد الناصر. –         جمال عبد الناصر: الميثاق الوطني. جمال عبد الناصر (عملية -): رَ: نهاريا (عملية -) الجمالي: رَ: بدر بن عبد الله الجمالي.