يافا

لم يكن في مدينة يافا* يوم صدور قرار التقسيم عام 1947 (رَ: تقسيم فلسطين) سلاح أو مقاتلون مقربون تدريبا صحيحا. فقد كانت سلطات الانتداب البريطاني تحول بالقهر والقوة بين عرب فلسطين واقتناء السلاح أو التدرب عليه. وكان تنظيم الدفاع عن المدينة أمرا صعبا بسبب موقعها. ففي الشمال مدينة تل أبيب* أكبر تجمع سكاني لليهود، وفي الجنوب مدينة بيت يام* وأجروبانك وحولون*، وفي الشرق مستعمرة بيتر الألمانية، وفي الغرب البحر المتوسط. هب سكان يافا يبحثون عن السلاح في كل مكان. وقد بدأ الأمر بجهود فردية ثم جرى تشكيل لجنة قومية للمدينة بايعاز من الهيئة العربية العليا*. وأخذت هذه اللجنة على عاتقها الاشراف على شؤون الدفاع والاعداد. ثم أرسلت اللجنة العسكرية* في دمشق 100 بندقية فرنسية إلى يافا بتاريخ 13/12/1947. جرت بين سكان يافا اليهود اشتباكات صغيرة كان أولها اشتباك بعض المناضلين مع مجموعة من اليهود بين تل الريش مستعمرة حولون ومقتل عدد من رجال المجموعة بينهم قائدها.ثم قام اليهود في 4/1/1948 بنسف دار الحكومة فقتل من جراء ذلك عشرة من العرب وجرح كثيرون. وقد أثار هذا الحدث الأهالي فأزال الخلافات التي كانت قائمة بين التنظيمات والهيئات، وظهر الجميع متماسكين، ونشطت أعمال اللجنة القومية، وتألفت لجان فردية للقيام بمختلف الشؤون الادارية والمالية والعسكرية. كانت مدينة يافا تابعة من الناحية العسكرية للشيخ حسن سلامة* الذي انتدبه الزعيم الفلسطيني الحاج محمد أمين الحسيني* لادارة دفة القتال في كل من يافا واللد* والرملة* واعترفت به اللجنة العسكرية في دمشق قائدا لهذا القطاع الذي سمي يومئذ “القطاع الغربي من المنطقة الوسطى”. وكانت تدابير الدفاع عن المدينة بدائية.فكل شخص لديه سلاح يحمله ويقوم بواجب الحراسة بعد حلول الظلام في مناطق الحدود بين العرب والصهيونيين. وقد تفرغ بعض الأشخاص لهذا الواجب. وكان أكثرهم من “ثكنة أبي كبير”. وكان نفص السلاح ظاهرة بارزة في الجانب الغربي. وبعد مرور شهر واحد على تشكيل اللجنة القومية كان في المدينة حوالي 284 قطعة سلاح مختلفة الأنواع. وكان أهالي يافا يعالجون النقص بنقل الأسلحة من جهة إلى أخرى ومن حي إلى آخر واستعماله في عدة مواقع، الأمر الذي ضلل الصهيونيين وأدخل في روعهم أن في المدينة أسلحة وذخائر كثيرة. اشتبك المجاهدون مع الصهيونيين في معارك متلاحقة وقعت على حدود المدينة ودامت شهرين ونصفا اعتبارا من 4/12/1947. وكان عدد الصهيونيين المقاتلين في تل أبيب لا يقل عن خمسة آلاف مقاتل. وكانت تل أبيب تضم حوالي مئتي ألف من السكان اليهود. واعترف مناحيم بيغن زعيم عصابة الأرغون* وقتذاك بأن تل أبيب قامت خلال هذه الفترة من يافا ومن حي المنشية وطأة الضرب الشديد وسقط من سكانها حوالي ألف قتيل وجريح. وقد شبه المنشية بسرطان ملتصق بتل أبيب ثم قال: “ان القناصة العرب كانوا يرسلون الموت إلى كل مكان. وقد وصل رصاصهم الفتاك حتى العمارة التي تعمل فيها بلدية تل أبيب”. وعلى الرغم من قلة الأسلحة وشح الذخيرة لم يهن أبناء يافا بل قاتلوا بكل عزم وتضحية وكان النصر غال في جانبهم. في 14/2/1948 أرسلت اللجنة العسكرية الرئيس (النقيب) عبد الوهاب الشيخ علي من ضباط الجيش العراقي السابقين ومعه حوالي أربعين متطوعا من ملاك جيش الانقاذ* ليكون أول آمر لحماية يافا. وطلب يوم وصوله ترك الشؤون العسكرية له وحده ومنع شباب النجادة من التدرب العسكري. كما طلب من اللجنة القومية والبلدية أن تهتم بالبلد ونظافتها وأن تؤمن المواد للسكان والمتطوعين. وحدث نزاع بينه وبين رجال النجادة لمنعه اياهم من التدرب. وتصدى كثيرون له واستمروا يتدربون. وبعد أن درس عبد الوهاب الشيخ علي وضع القوات في يافا وجد أن المقاتلين قلة والأسلحة الموجودة غير كافية للحفاظ على المدينة فسافر إلى دمشق ولم يعد. وأرسلت اللجنة العسكرية آمرا جديد لحماية يافا هو المقدم عادل نجم الدين فوصلها يوم 22/2/1948 ومعه بعض الضباط والمتطوعين من ملاك جيش الانقاذ. سافر عادل نجم الدين الى دمشق لمقابلة اللجنة العسكرية يوم 9/3/1948 وعاد بعد يومين ومعه 75 متطوعا من ملاك جيش لانقاذ نفوذهم الضابط السوري المتقاعد الملازم حمود الخطيب واستقروا في تل الريش. ولكن المتطوعين كانوا خليطا غير متجانس ولا يملكون الخبرة القتالية الكافية، وكانت السيطرة عليهم ضعيفة. قام الصهيونيون يوم 20/3/1948 بهجوم كبير على ثكنة أبي كبير ودمروا بعض المنازل العربية. ولكنهم منوا مع ذلك بخسائر قدرت نحو 36 قتيلا. وحاولوا بعد يومين اقتحام مدينة يافا بعد قصف شديد فصمد المناضلون وردوهم على أعقابهم. ثم استمرت عمليات القصف المدفعي من العدو وتكررت الهجمات. أبرق آمر حامية يافا إلى اللجنة العسكرية بدمشق طالبا السلاح والرجال، وتعمدت وفود المدينة التي ذهبت الى الجنة العسكرية في دمشق لتوضح خطورة وضع مدينة يافا وعدم تكافؤ قوتها مع قوة العدو. ولكن هذه الوفود تحصل على شيء. وأخيرا حضر إلى يافا حوالي خمسين متطوعا من مسلمي يوغسلافيا كانوا على درجة عالية من الايمان والحداسة في طلب الشهادة فأبلوا بلاء حسنا. وبذلك بلغت حامية يافا في أواخر آذار 1948 نحو ألف وخمسمائة مقابل من الرافدين وأبناء المدينة. وفي 31 آذار وقعت معركة بين المجاهدين والصهيونيين غنم فيها المجاهدون عددا من السيارات والمصفحات. وفي 13 نيسان قام الصهيونيون بهجوم كبير على تل  الريش وتوغلوا فيه، ولكن العرب أخرجوهم منه. ثم أعاد الصهيونيون الكرة يوم 24 نيسان فهاجموا المنشية واحتلوا محطة السكة الحديدية ومركز الشرطة. واستمرت العرب في الدفاع عن هذه المواقع وقاموا بهجمات مضادة تمكنوا فيها من طرد الصهيونيين. وجدد الصهيونيين الهجمات في 25 و26 و27 نيسان بقوات كبيرة تساندها مدافع الهاون، واقتربت طلائعهم من الاستحكامات العربية. وتمكن حماة يافا من صد هذه الهجمات، ولكن الصهيونيين قاموا يوم 28 نيسان بهجوم كبير من جهة تل الريش، وهجوم آخر من المنشية تساندهم المدرعات، ودارت معركة طاحنة تمكن فيها المجاهدون في تل الريش عن صد الصهيونيين فارتدوا تاركين وراءهم حوالي 25 قتيلا وبعض العربات. وأما في المنشية فقد استطاع الصهيونيون احتلال الحي فأخذ السكان يغادرونه. وبينما كانت المعركة على أشدها أقال قائد جيش الانقاذ قائد الحامية المقدم عادل نجم الدين وعين لهذه المهمة الرئيس ميشيل العيسى، وهو من أبناء يافا وكان آمرا لفوج أجنادين من جيش الانقاذ. فوصل إلى يافا مع فوجه المؤلف من 247 مقاتلا يوم 28/4/1948 وشق طريقه بالقوة ودحر الصهيونيين الذين كانوا يتمركزون على طريق تقدمه. وأخذ يحاول اتخاذ تدابير للدفاع والصمود في موقف عسكري يميل لصالح العدو الذي احتل عددا من القرى العربية  القريبة من يافا، وقطع طريق يافا – القدس من موقع نيتر وعمارة حزبون، وبذلك انقطع كل اتصال بين يافا والقرى العربية الشرقية وبينها وبين الرملة ومطار اللد. وفي أوائل أيار 1948 أخذ الموقف يزداد سوءا فعم الخوف والاضطراب وظهرت بعض حوادث الفوضى وأخذ الناس يغادرون المدينة إلى غزة* عن طريق البحر. وقبل ذلك كانت اللجنة القومية تمنع مغادرة أي شخص للمدينة الا اذا كان يقصد المعالجة الطبية مؤيدا بتقرير طبي. شدد الأعداء هجماتهم على المدينة، وأخذت صيحات الاستغاثة وطلب النجدة تتوالى من يافا، وعز المنجدون، وكثر عدد القتلى والجرحى، وأخذت المقاومة تنهار والناس ينزحون. بقي الانكليز في يافا حتى الأيام الأخيرة من الانتداب خلاف لما فعلوا في حيفا وصفد* وطبرية* وبيسان* التي غادورها مبكرين. وقد ساعد ذلك في تأخير اقتحام الصهيونيين لها. وفي يوم 13/5/1948 سلم حاكم اللواء الانكليزي مفاتيح الدوائر الحكومية إلى الحاج أحمد أبو لبن الذي اعتبر مسؤولا عن شؤون المدينة. ووافق العرب والصهيونيون على اقتراح قدمه الحاكم يجعل يافا منطقة مفتوحة. ولكن الصهيونيين لم يقبوا أن يتم ذلك بوساطة الانكليز وأصروا على التفاوض مع العرب مباشرة. وتم اتلتفاوض في تل أبيب وقعت الاتفاقية يوم 13/5/1948 بين وفد عن أهالي يافا وقائد الهاغاناه في لواء تل أبيب. لم يحترم الصهيونيين هذه الاتفاقية. فيما كاد الانكليز ينسحبون من المدينة يوم 14 أيار حتى اقتحموها بقواتهم ورفعوا الأعلام الصهيونية على مبانيها. وسقطت المدينة الباسلة التي طالت أشد ظروف الحصار والقتال حوالي خمسة أشهر ونصف الشهر.   المراجع:   عارف العارف: النكبة، ج1، بيروت 1956. محمد سعيد اشكنتنا: أسباب سقوط يافا، عمان 1963.