سَلَمَة

اكتسبت قرية سلمة* أهميتها من وقوعها على طريق يافا – اللد الرئيسة التي كانت تسلكها القوات البريطانية للوصول إلى معسكر لها على تل ليتفنسكي. وكانت القرية محاطة بالمستعمرات الصهيونية من كل جانب. بدأ تحرش الصهيونيون بسكان القرية منذ 2/12/1947 عندما اعتدى بعض سكان مستعمرة “هاتيكفا” القرية على مزارع عربي يعمل في إحدى البيارات فما كان من شباب سلمة الا الرد بقتل صهيونيين اثنين في نفس المكان واليوم. تنادى سكان القرية بعد هذا الحادث فعقدوا اجتماعاً في النادي الرياضي وانتخبوا لجنة مؤلفة من سبعة أعضاء بدأت تنظيم شؤون الدفاع ورتبت أمور الحراسة الدائمة على تخوم القرية تحسباً لأي طارىء. كان في هذه القرية زهاء ثلاثين بندقية، فتوزع أعضاء لجنة الدفاع على البلدان المجاورة سعياً للحصول على السلاح بأي ثمن كان. وسرعان ما بلغ عدد الأسلحة ستين بندقية وثلاثة رشاشات وكمية لا بأس بها من الذخيرة. لم يحاول سكان المستعمرات الصهيونية المجاورة مهاجمة سلمة بعد أن ترامت إليهم أنباء استعداد سكانها وتسلحهم، ولكنهم بدأوا يصلونها يومياً بنيران غزيرة أملاً في دفع سكانها إلى التخلي عن منازلهم. ولكن هؤلاء صمدوا بشجاعة وردوا على النار بالمثل وأبوا مغادرتها. خشي أهالي سلمة، مع تزايد الاعتداءات، أن يصيبهم ما أصاب إخوانهم في قرية يازور* التي مر بها يوم 18/12/1947 عدد من الصهيونيين بالزي العسكري البريطاني وألقوا على مقهاها عدداً من القنابل فقتلوا ستة من زبائنه العرب. ولذلك قدمت لجنة الدفاع عن القرية طلباً إلى حاكم اللواء ترجو تدخله لمنع وحدات الجيش البريطاني من المرور عبر قريتهم. واقتنع حاكم اللواء بوجهة نظر اللجنة ولكنه ادعى عدم تمكنه من فرض رأيه على الجيش. وهكذا مرت بعد يومين سيارة نقل بريطانية فهاجمها المناضلون وأحرقوها وجرحوا سائقها واستولوا على سلاحه، الأمر الذي أثار غضب قائد المنطقة العسكري فأسرع إلى القرية على رأس قوة مؤلفة من ثلاثين دبابة وعشر عربات نقل محملة بالجنود وطلب من السكان إعادة بندقية السائق ودفع تعويض عن السيارة وجرح السائق قدره بخمسة آلاف جنيه. ولما لم يستجب أحد لانذاره اعتقل بعض الأهالي وعلى رأسهم لجنة الدفاع. وبعد مفاوضات طويلة تم إطلاق سراح المعتقلين ووافقت السلطات العسكرية على قطع طريق يافا وعمدت إلى زرع أعمدة اسمنتية لسد الطريق إدعاء منها أن ذلك أجدى لمنع مرور الآليات. ولكنها في الواقع عزلت قرية سلمة ومنعت وصول نجدات سريعة إليها من القرى المجاورة. وما إن أنهت القوات البريطانية عملها في قطع الطريق وغادرت المكان حتى شن الصهيونيون هجوماً قوياً على القرية من اتجاه مستعمرة “هاتيكفا” فتصدى الأهالي لهم وكبدوهم خسائر كبيرة وأجبروهم على التراجع. ولكن سرعان ما اتضح أن هذا الهجوم لم يكن سوى عملية خداع وأن الهجوم الرئيس انطلق من مستعمرة راغات غان* الواقعة إلى الشمال من قرية سلمة. وقد اشترك فيه رجال الإرغون* بالتعاون مع قوة حرس المستعمرات. اصطدمت قوة الهجوم بعدد من المناضلين العرب على تخوم القرية التي أسرع رجالها إلى الاتجاه الجديد وأحبطوا الهجوم. وبعد أن أجبروا المعتدين على التراجع شنوا في الليلة نفسها هجوماً معاكساً على مستعمرة “هاتيكفا” وأشعلوا النار في بعض منازلها فأسرع سكانها بإخلائها تاركين وراءهم 26 طفلاً، سلمهم المجاهدون للسلطات البريطانية فيما بعد. أسرعت قوات صهيونية من المستعمرات المجاورة لنجدة “هاتيكفا” في حين وصل عدد من مناضلي اللد* والعباسية* إلى ساحة القتال. وتابع مناضلو قرية سلمة بعد أن تعززوا بإخوانهم مطاردتهم للصهيونيين حتى مشارف تل أبيب* وأحرقوا بعض منازل مستعمرة “شابيرو” التي تعد أحد أحياء المدينة. ويطلب من رئيس بلدية تل أبيب تدخلت السلطات البريطانية وأجبرت المناضلين على العودة إلى قراهم وأحاطت بقرية سلمة من كل جانب بداعي الفصل بينها وبين المستعمرات المجاورة. وتحول الموقف إلى تراشق بالنيران عن بعد رغم وجود القوات البريطانية. استغل الصهيونيون وجود القوات البريطانية فأخذوا يحصنون مستعمراتهم بالاسمنت المسلح وحضروا الخنادق وجهزوا الملاجىء المنيعة. وعندما أنهوا أعمالهم هذه انسحبت القوات البريطانية. حاولت لجنة الدفاع الحصول على بعض الأسلحة دون جدوى. ولم تحصل إلا على بعض البنادق وثلاثة مدافع مضادة للدبابات وثلاثة رشاشات وبعض الذخائر بعد أن باعت النساء حليها لدفع ثمن السلاح. وتمكن السكان بهذه الأسلحة من الصمود حتى أواسط شهر نيسان 1948 حين هاجم الصهيونيون القرية بعد أن مهدوا لهجومهم بقصف شديد بقتابل الهاون. ولكن المناضلين صمدوا وتصدوا للهجوم وردوا على القصف بقصف ممائل لمستعمرة “هاتيكفا”. ظل أهالي قرية سلمة يقاومون حتى نضبت ذخائرهم. وتوالى ورود الأنباء عن انهيار المقاومة العربية في القرى المجاورة. وعندما وصلهم خبر سقوط مدينة يافا يوم 28/4/1948 (رَ: يافا، معركة) بدأوا يغادرون قريتهم لمتابعة النضال في أماكن أخرى. ولم يجرؤ الصهيونيون على دخول القرية إلا بعد بضعة أيام من هجرة أهاليها، وبعد أن تأكدوا من خلوها تماماً. وهكذا خسر العرب قرية سلمة بالإضافة إلى القرى المجاورة رغم صلابة الدفاع وعظم التضحيات.   المرجع:   – عارف العارف: النكبة، ج1، بيروت 1956.