الشيخ جراح

الشيخ جراح حي عربي من أحياء مدينة القدس*، تميز بموقعه الجيو -استراتيجي الذي يهيمن على كل التحركات من الساحل إلى الداخل. وكانت القوات الصهيونية تعتمد على الطريق المار بالشيخ جراح لنقل الإمدادات ووسائط القتال إلى يهود القدس (في المدينة الجديدة والحي القديم)، وإلى المستعمرات الصهيونية الواقعة شمال القدس، على طريق رام الله، وهي عطاروت والنبي يعقوب، وتعتمد على هذه الطريق أيضاً للاتصال بمستشفى هاداساه والجامعة العبرية على جبل المكبر. وقد شهد حي الشيخ جراح بسبب هذا الموقع الهام، صراعاً مريراً ومعارك مستمرة بين العرب والقوات الصهيونية. أخذت القوات الصهيونية تعد العدة لإقامة الكيان الصهيوني، فتزودت بأسلحة كثيرة جاءتها سراً عن طريق البحر والجو من  تشيكوسلوفاكيا في مطلع نيسان 1948. ونظمت القوات قيادتها، فتولى يعقوب دوري رئاسة أركان الهاغاناه*، وتولى بيغال يادين رئاسة العمليات، في حين غدا دافيد شالتيل آمر منطقة القدس كما تسلم يوسف تانبكين قيادة لواء “هاريل” الذي كلف بعمليات القدس. وكان هذا اللواء مؤلفاً من ثلاث كتائب تضم 1.500 مقاتل. وقد استطاعت القوات الصهيونية بعد ذلك كله تطوير أعمالها القتالية في منطقة القدس، فاستولت على القسطل*، وساريس* وبدو وبيت سوريك، بالإضافة إلى معسكر بريطاني سابق في وادي سارة، وأمنت الحماية للقوافل المتجهة إلى القدس، فأرسلت إلى يهود القدس خلال خمسة أيام (12-17 نيسان) ثلاث قوافل امداد تضم نحو 250 – 300 سيارة نقل. وقد ظل الصهيونيون يتمسكون بمواقعهم في جبل المبكر. وكانت الطريق إلى هذا المكان تمر بحي الشيخ جراح، لذلك كانت القوافل التي تمر عبر هذه الطريق تتعرض للهجوم مراراً. فأنشأ البريطانيون في أول نيسان موقعاً يسيطر على الشيخ جراح، لمساعدة القوافل الصهيونية على المرور عبر الطريق، دون أن يكون هناك من يعترضها. وفي 13/4/1948 أخذت قافلة صهيونية من تسع سيارات كبيرة، منها اثنتان مصفحتان، تخترق حي الشيخ جراح بحراسة قوات الهاغاناه، للوصول إلى الجامعة العربية ومستشفى هاداساه على جبل المبكر. وعند وصول القافلة إلى وسط الحي فجر المجاهدون من جيش الجهاد المقدس* ألغاماً تحت سيارات القافلة، فدمروا سيارتين، وقتلوا 38 من الصهيونيون وانقضوا ينتقمون لمصرع قائدهم عبد القادر الحسيني*. الذي كان قد استشهد قبل نحو أسبوع في معركة القسطل*. ولم تكن قوة أفراد الكمين العربي تزيد على 24 مقاتلاً، مسلحين بالرشاشات والبنادق. وبدأت المعركة مع حرس القافلة الذين أطلقوا إشارات الاستغاثة، فأسرعت القوات البريطانية القرية من ميدان المعركة لمساعدتهم ووجهت نيرانها ضد المجاهدين من ثلاث جهات. وما أن انتشرت أخبار المعركة في مدينة القدس حتى هرع المجاهدون من أنحاء المدينة المقدسة كلها، ووصل منهم إلى حي الشيخ جراح زهاء مائتي مجاهد، فذفوا بأنفسهم في خضم المعركة المحتدمة ضد البريطانيين والصهيونيون معاً. وشعر الصهيونيون بقوة الكمين وصلابته فطلبوا الهدنة. وعرضوا الاستسلام وإلقاء السلاح، فوافق المجاهدون على طلبهم وأرسلوا مندوبا عنهم لإبلاغ الصهيونيون بشروط التسليم. لكن هؤلاء قتلوا المندوب العربي، فتجدد الاشتباك بعنف أكبر، واستمرت المعركة حتى الساعة السادسة مساء، حيث بلغ عدد قتلى الصهيونيون 120 قتيلاً، وخسر البريطانيون ستة جنود بين قتيل وجريح. ولم ينج من القافلة إلا ثمانية أفراد قام البريطانيون بحمايتهم، في حين خسر المجاهدون 12 شهيداً. لقد اعتبرت هذه العملية من وجهة نظر البريطانيين رداً على مذبحة دير ياسين* التي ارتكبت يوم 9/4/1948. لكن القضية لم تكن مجرد انتقام فحسب، وإنما كانت دفاعاً عن الوجود العربي. ولهذا تجدد القتال ولكن مع اقتراب موعد جلاء القوات البريطانية. وقد استولى المجاهدون في 18 نيسان على مستشفى أوغستا فكتوريا في جبل المكبر، كما استولوا على قرية العيسوية قرب الجامعة العربية وللمدينة القديمة،فطلب قائد المنطقة الصهيوني الدعم. فأمرت الهاغاناه بتحريك لواء هاربل. فاطلقت قافلة مكونة من 350 سيارة إلى القدس بقيادة قائد اللواء ودافيد بن غوريون، الرئيس التنفيذ للوكالة اليهودية*, وعند الأطراف الغربية للقدس وقعت القافلة في كمين عربي كبير. أدى إلى إغلاق الطريق بالسيارات المعطلة. ولم يتمكن المجاهدون من الوصول إلى القافلة بسبب النيران الكثيفة. وقامت القوات الصهيونية بمهاجمة الكمين فلم تنجح في تشتيته، واستمرت المعركة حتى المساء، حيث استطاعت القافلة متابعة طريقها، بعد استقدام نجدات جديدة، وتكبدها خسائر كبيرة. ثم قام الصهيونيون في 24 نيسان بالهجوم على حي الشيخ جراح، واستمرت المعركة طوال الليل، اضطرت القوات المعادية بعدها إلى التراجع، وظل الصراع بعد ذلك محتدماً إلى أن أنسحب البريطانيون يوم 13/5/1948، ودخلت الجيوش العربية يوم 15 أيار، وانتهت مهمة جيش الإنقاذ، وأصبحت مدينة القدس في منطقة عمل القوات الأردنية. وقد حاولت القوات الإسرائيلية فرض سيطرتها على المناطق التي جلا عنها البريطانيون، فتجدد القتال. وبينما كانت قوات جيش الانقاذ تنسحب من منطقة القدس، تلقت قيادتها في الساعة 3.15 من يوم 18/5/1948 برقية من قائد القوات الأردنية في القدس يقول فيها “القدس في ضيق شديد، على وشك الانهيار، هل باستطاعتكم نجدتها بأقرب وقت وبأقرب طريق”. وبعد نحو 40 دقيقة، تلقت القيادة ذاتها برقية جاء فيها “الحالة خطرة، العدو يقوم بهجوم على قطاعات المدينة. المدفعية تقصف المدينة بشدة من كل ناحية. يجب أن تصلنا النجدات وإلا فمصيرنا الفناء، الفناء اؤكد لكم، وسقوط المدينة. القنابل تسقط في الحرم. آمر حامية القدس”. وفي الساعة 5.20 وصلت برقية ثالثة جاء فيها: “ازدادت الحالة سوءاً. المدفعية تقصف الحرم. وأسفاه على المدينة المقدسة. ازحفوا لإنقاذ الموقف. الأرواح تنتظر نجدتكم السريعة. آمر حامية القدس”. أصدر قائد جيش الإنقاذ أوامره إلى المدفعية المنسحبة إلى رام الله* بالعودة إلى القدس، ومعها سرية مشاة وجميع المسلحين من الفلسطينيين والمتطوعين الأردنيين. وفي صباح 19/5/1948 وصلت قوات جيش الإنقاذ فيما كانت المعركة على أشدها. وتم تنظيم الهجوم وقامت المدفعية بقصف مصادر النيران المعادية بكثافة عالية وتميزت الرمايات العربية بالدقة والأحكام. ثم قامت سرية المشاة ومعها المجاهدون الأردنيون والفلسطينيين بالتقدم نحو الشيخ جراح تحت حماية نيران مدفعية جيش الإنقاذ، فواجهتها نيران كثيفة من العدو، ردت عليها المدفعية العربية بقصف الحي اليهودي. واحتدمت المعركة في الشيخ جراح احتداماً شديداً، ثم أخذت تهدأ تدريجياً حتى انتهت عند الظهر بإنقاذ القدس من السقوط. وتحولت منطقة الشيخ جراح مرة أخرى إلى قاعدة الانطلاق الهجمات العربية، حيث ركز الجيش الأردني مدفعيته في هذا الحي، وانطلقت قواته الاحتلال المنطقة، وقطع المواصلات بين جبل المبكر والقدس الجديدة. وقد حاولت القوات الإسرائيلية بعد ذلك عبثاً الاستيلاء على حي الشيخ جراح. وكان إخفاقها المتكرر عاملاً دفع القيادة الإسرائيلية إلى تجنب المرور في حي الشيخ جراح، فتم إنشاء طريق بعيد عن المناطق العربية. وتجدر الإشارة إلى أن معركة حي الشيخ جراح أبرزت نقاطاً أساسية في الصراع العربي- الصهيوني خلال تلك المرحلة، منها الروح المعنوية العالية التي كان يتجلى بها المجاهدون، ومنها فشل العدو الصهيوني في تحقيق النصر على الرغم من القوات الضخمة التي زج بها في المعركة، وما كان لهذا العدو أن يحقق نصراً لولا تدخل عوامل سياسية كانت تتحكم بتحرك القوات العربية.   المراجع:   –         صالح مسعود بويصير: جهاد شعب فلسطين خلال نصف قرن، بيروت 1968. –         خيرية قاسمية (إعداد) مذكرات فوزي القاوقجي، بيروت 1975. –         صبحي الجاني (ترجمة): الحروب العربية – الإسرائيلية، دمشق 1975.   شيخ حطين: رَ: محمد بن أبي طالب الأنصاري