الشجرة

تميزت فترة الهدنة الأولى من 11/6 حتى 9/7/1948 بتعاظم القدرة العسكرية الصهيونية، وبوصول الامدادات الضخمة، حتى بلغ عدد أفراد العدو الصهيوني 60 ألف مقاتل عامل واحتياطي (رَ: الهدنة الأولى والهدنة الثانية بين الدول العربية وإسرائيل، اتفاقيتا). وأمكن بذلك تنظيم عدد من الألوية الجديدة المدعمة بمختلف صنوف الأسلحة. وقد تم زج جيش الإنقاذ* بقيادةفوزي القاوقجي* في قطاع الجبهة اللبنانية في هذه الفترة التي أطلقت عليها قوات العدوان الصهيوني اسم “هجوم الأيام العشرة”. وقد قام اللواء الإسرائيلي “غولاني” خلالها بتنفيذ عدد كبير من العمليات التي كانت تستهدف تجميد أكبر عدد من القوات العربية. وكانت عملية الشجرة من أصعب هذه العمليات، إذ كانت هذه القرية عقدة مواصلات حيوية للجانبين العربي والصهيوني كليهما. وقد بدأت قوات العدوان عملياتها بالإغارة على قريتي لوبيا* ومجد الكروم لاحتلال أكبر مساحة من القرى والأرض العربية. وتطور الهجوم في ليل 9/6/1948 ليشمل المجدل* والناصرة* ولوبيا ومسكنة، إلا أن قوات جيش الانقاذ نجحت في إحباط هذه الهجمات مما اضطر القوات الصهيونية إلى الهجوم ثانية. فانسحبت أمامها القوة العربية، واحتل الصهيونيون المواقع الحساسة على طرق الناصرة المؤدية إلى الغرب كلها. وقامت قوات أخرى بقطع الطريق المؤدي إلى الشرق عند قرية الشجرة*، فأصبحت الناصرة بذلك معزولة. فقررت قيادة جيش الإنقاذ إرسال ما تملكه من الدعم (فصيلتين إلى لوبيا وفصيلتين إلى مجد الكروم). واستطاعت هذه القوات دعم المجاهدين الفلسطينيين، وتدمير قسم من القوات الصهيونية والحصول على بعض الغنائم من مصفحات وأسلحة. كما أرسلت قوة صغيرة من جيش الإنقاذ إلى فراضية* على طريق صفد – الرامة، فأمكن تأمين محاور العمليات. وقام قائد جيش الإنقاذ بتجهيز فوج حطين وسريتين وأربع مصفحات وبطارية مدفعية، واندفع  بهذه القوة صباح 9 حزيران في اتجاه لوبيا – الناصرة، قاصداً القضاء على القوات الصهيونية في منطقة الشجرة، وتظهر التلال المشرفة على الناصرة. وفي ليل 10 حزيران، فاندفع المشاة تساندهم المدفعية، وتحميهم المصفحات، نحو التلال التي تفصلهم عنها أراض منبسطة مكشوفة معرضة لنيران القوات الصهيونية، وكان نتيجة ذلك أن تكبدت القوات العربية خسائر كبيرة. وقد رافقت هذا الهجوم، عملية هجوم أخرى انطلقت من قرية لوبيا، اشترك فيها عدد كبير من المجاهدين الفلسطينيين. كما جذب صوت القصف المدفعي المجاهدين من منطقة الناصرة نحو تلال الشجرة من الغرب. وتميز الهجوم بعنفه وسرعته، في حين كانت المدفعية تزداد شدة في إطلاق نيرانها، مبدلة أهدافها بسرعة تتفق وحركات الهجوم السريع. بدأت القوات الصهيونية في الساعة السابعة تنسحب على طول خط النارباتجاه قرية الشجرة، وقامت القوات العربية بمطاردتها. وتحولت نيران المدفعية لتقصف مستعمرة ذاتها. وصل المقاتلون العرب إلى جدران المستعمرة التي اندلعت فيها النيران في الساعة الثامنة. ودخلت سرية من المجاهدين الناصرة. وفي هذه الأثناء توقف إطلاق النار تنفيذاً لاتفاقية الهدنة الأولى. وأصبحت قوات جيش الانقاذ تنتشر على خط لا يبتعد عن العفولة* أكثر من 7 كيلومترات، وعن عكا* 9 كيلومترات. لم تلتزم القوات الصهيونية كعادتها بالهدنة، فحاولت الإفادة منها لتحسين وضعها على حساب جيش الانقاذ، الذي لم يعد قوله تتجاوز ثلاثة آلاف مقاتل. فقامت بالاعتداء على العرب في قرية الشجرة، ومهاجمة قريتي شفا عمرو* والبروة* ولكن قوات جيش الانقاذ أحبطت الأعمال العدوانية الصهيونية في يوم 11/6/1948. ثم قام الإسرائيليون بالهجوم على قرية خربة رأس علي القريبة من شفا عمرو، فاحتلوها يوم 20 حزيران. فردت عليهم قوات جيش الإنقاذ بهجوم مضاد، ونجحت فيه بطردهم من القرية. اكملت القوات الصهيونية استعدادها مع انتهاء الهدنة، فانطلقت بهجوم قريتي في الساعة الثانية من صباح 8/7/1948، واحتدمت المعركة في الشجرة، وامتدت ساحة العمليات إلى بقية أنحاء الجبهة. وظهرت لأول مرة منذ قيام الحرب في فلسطين طائرات حربية إسرائيلية عملت على قصف ترشيحا* قصفاً شديداً. كما ظهرت للمرة الأولى أيضا المدفعية الثقيلة في جبهة الشجرة. وقامت قوات العدوان الصهيوني بهجوم آخر يوم 10 تموز على تل كيسان، تدعمه دبابات ثقيلة من نوع تشرشل وتشيرمان ظهرت للمرة الأولى أيضاً. وعلى الرغم من ذلك استطاعت قوات جيش الانقاذ، بالتعاون مع المجاهدين العرب، صد الهجمات في قطاع الشجرة، واستعادة ما خسره العرب من المواقع. استمرت المعركة بدون انقطاع، وبدأت الذخائر تتناقص بسرعة بين أيدي القوات العربية، في حين أخذت قوات العدو تصعد شدة القتال على جبهة الشجرة، وتبذل جهوداً مستميتة لطرد القوات العربية المشرفة على الشجرة، وتوسل النجدات وقوات الدعم بدون توقف. ارتفع عدد القتلى والجرحى مما دعا قيادة جيش الانقاذ على تنفيذ عملية بائسة، وذلك بتنظيم هجوم على قاعدة الشجرة ذاتها، للإفادة مما يتوافر فيها من المؤن والذخائر. وزج في هذا الهجوم بكل ما في القطاعات الأخرى من أسلحة، وفيها أربع مصفحات وعدد من المدافع. بدأ هذا الهجوم في ليل 13 تموز، وأظهرت القوات العربية المشتركة في العملية شجاعة نادرة، بالرغم من أنها كانت مستنزفة القوى بعد صراعها المستمر طوال ستة أيام بلياليها. وأمكن رد قوات العدوان الصهيوني وتشتيتها، والتقدم حتى الشجرة وسط كثافة نارية غزيرة من المدفعية والرشاشات والبنادق المعادية. وفي يوم 13/7/1948، تم النصر للعرب واستولوا على الشجرة، لكن قوات فوج حطين من جيش الإنقاذ تكبدت خسائر كبيرة، من بينها إصابة قائد الفوج بجراح بالغة واستشهاد أحد معاونيه وخرج الثاني، بالإضافة إلى إصابة أكثر قادة السرايا بجراح بالغة. ما لبثت قوات العدو الصهيوني أن أعادت تنظيمها، فقامت في الساعة 19:40 من يوم 13/7/1948 بحشد كبير في كفر سبت بالقرب من مستعمرة الشجرة، وأخذت مدافعها الثقيلة تقصف مواقع جيش الانقاذ بكثافة عالية، فتزايدت أعداد القتلى والجرحى العرب. وبالرغم من ذلك أيضاً بذلت القوات العربية كل جهودها لخوض معركة شديدة، استرجعت بنتيجتها تل التين في الساعة 17:00 من يوم 15/7/1948، وأصبح طريق لوبيا- الناصرة أمينا. وكبدت قوات العدوان خسائر فادحة. لكن مدفعية العدو تابعت قصف مواقع الشجرة، في الوقت ذاته قامت قواته بتطوير هجومها على بقية القطاعات فاستولت على شفا عمرو. وفي الساعة 7:00 من يوم 16 تموز قام رتل من الدبابات الصهيونية بتطويق صفورية*، واستولى عليها في الساعة 9:25 من اليوم ذاته، وانتقل الصراع إلى أبواب الناصرة. وبدأت عملية هجرة كبيرة من الناصرة وصفورية وبقية المواقع التي سقطت في قبضة الإسرائيليين ولم تلبث الناصرة أن سقطت في قبضة القوات الصهيونية، وأصبحت قوات جيش الانقاذ في الشجرة، مهددة بالتطويق والإبادة (رَ: الناصرة، معارك). وفي الوقت ذاته بدأت القوات الصهيونية بالتحرك من الناصرة في اتجاه الشجرة، ومن طبرية* نحو لوبيا والشجرة. فتم وضع سرية بدوية في وجه القوة الإسرائيلية الآتية من الناصرة، والسرية اليمنية تنسحبان إلى أن تمت هذه العملية في ليل 18 تموز. وتمركزت قوات جيش الإنقاذ على خط دفاعي جديد لا يبعد عن الشجرة أكثر من أربعة كيلومترات، وقامت القوات الصهيونية بهجوم كثيف على هذا الخط، قبل أن تستقر القوات العربية في مواقعها. فحدثت معركة عنيفة استمرت يومي 18 و 19 تموز. ونجحت قوات جيش الإنقاذ في إحباط الهجمات كلها، إلى أن توقف إطلاق النار في الساعة 17:30 من يوم 19/7/1948 في الهدنة الثانية، التي تحولت فيها بعد إلى هدنة دائمة.   المراجع: –         خيرية قاسمية (إعداد): مذكرات فوزي القاوقجي، بيروت 1975. –         صبحي الجابي (ترجمة): الحروب العربية – الإسرائيلية، دمشق 1975.