عكا (سهل)

يحتل سهل عكا (او سهل الجليل الغربي) المكان الثاني بين السهول الساحلية، بعد السهل الساحلي* الفلسطيني الذي يمتد من جبل الكرمل* حتى رفح* على طول الساحل الأوسط والجنوبي من فلسطين. ويقع سهل عكا شمالي فلسطين، محصوراً بين جبل الكرمل في الجنوب والحدود الفلسطينية – اللبنانية عند رأس الناقورة في الشمال. ويتقطع سهل عكا من الشمال والجنوب بانحدارات شديدة في أرض السهل نتيجة ارتفاع سفوح جبل الكرمل الشمالية الشرقية، ونتيجة ارتفاع جبل الناقورة ينقطع بانحدارات قوية أيضا مشرفة على السهل على محور شرقي – غربي ينتهي في البحر عند رأس الناقورة. وللسهل شكل طولي يمتد مسافة 42كم من الشمال إلى الجنوب. ويتراوح عرضه بين 6 كم في أقصى الشمال، و12كم في الوسط والجنوب. وتقدر مساحته بنحو 530كم2. وتقصر بعض المصادر تسمية سهل عكا على السهل الواقع شرقي حيفا – عكا فقط. أ- تضاريس السهل ونشأته: يتصف سطح سهل عكا بالانبساط الشديد في معظم أجزائه، مع بعض التموج في مسافات كبيرة. ويبدأ السهل في الجنوب منبسطاً بدءاً من ساحل البحر المطل على خليج عكا*، حيث تمتد الرمال الساحلية على السيف الشاطىء، ثم يظل كذلك في اتجاه الداخل. وعلى العكس من ذلك، تكثر في الساحل الشمالي الممتد بين مدينة عكا ورأس الناقورة الجروف والجدران الصخرية الساحلية التي تتصل بتلال رملية مسايرة للساحل، تعلو فوق السطح العام للسهل المنخفض وراءها شرقاً. أما على الهوامش الشرقية للسهل فترتفع الأرض 100 – 150م أو أكثر، ويسود شريط تلي انتقالي بين السهل ونهايات جبال الجليل* التي تسد الأفق الشرقي لسهل عكا. وتتداخل مهاميز الجبال في ألسنة من السهل مندسة بينها، على امتداد الأودية والأنهار الخارجة من الجبال، على شكل رؤوس وخلجان تضرسية، أهمها لسان وادي حلزون المتوغل في الجبال. وتخترق السهل مجموعة من الأودية السيلية التي تتعمق في أرضه بضعة أمتار تشوش الأنبساط المذكور للسهل. وأهم هذه الأودية من الشمال إلى الجنوب وادي كركرة، ووادي القرن*، ووادي الصعاليك، ووادي المفشوخ*، ووادي مجنونة ووادي الحلزون*. وتقل الأودية في الاتجاه جنوباً، حيث لا يوجد إلا مجرى نهر النعامين*، ومجرى نهر المقطع* المحاذي لأطراف السهل الجنوبية مع حضيض جبل الكرمل. يعد القسم الجنوبي من سهل عكا امتداداً لمنخفض البنائي (التكتوني) المعروف بمنخفض مرج ابن عامر* ذي المحور الشمالي الغربي – الجنوبي الشرقي، والذي يصل بين غور الأردن والبحر المتوسط عند خليج عكا. أما القسم الشمالي فهو منخفضات وخفوس صغيرة متطاولة شرقاً في غرب، تتفق مع الخفوس الانهدامية المخلعة لجبال الجليل الأعلى على المحور نفسه. ولما كانت أرض الخفوس والمنخفضات البنائية في السهل كله تنحدر نحو الغرب بلطف، فإنها كانت مسرحا لتكدس الرسوبات القادمة من البر. وقد اختلطت هذه الرسوبات بالترسبات البحرية الساحلية، فارتفعت وعلت مع تغير مستوى الأساس (البحر المتوسط) سلباً (أي انخفاض المستوى). وقد تشكل سهل عكا في بداية الحقبة الرابعة الجيولوجية، واستمر العمل الترسيبي القاري فيما بعد، وحتى اليوم، بالسهول والآبار ومياه الأمطار الحاملة للمواد للحقبة والطمي القادم من جبال الجليل، حتى أصبح السهل مؤلفا من الترسبات والمواد الناعمة المذكورة، إضافة إلى الكثبان والرمال الساحلية التي يرجع بعضها إلى فترة البلايستوسين (بداية الحقبة الرابعة الجيولوجية)، كما هي الحال في تلال – كثبان الكركار المشكلة لسلسلة تلية متقطعة في طول الساحل حتى رأس الناقورة. ونتيجة لذلك، وبمساهمة الشروط الطبيعية المعروفة لتكوين التربة عامة، تشكلت في سهل عكا أربعة أنواع من الأتربة، أكثرها أهمية وانتشاراً هي التربة الرسوبية المختلطة الخصبة، تليها في الأهمية التربة الرسوبية البنية، ثم يأتي شريط التلال* المذكورة من قبل والمؤلفة من تربة رملية بنية – حمراء، وأخيراً التربة الرملية الساحلية المكونة للكثبان المتصلة مباشرة بالبحر في خليج عكا وأقصى الشمال (رَ: التربة). وعلى العموم، فإنه أنواع الترب والأراضي هذه تدخل ضمن الأراضي الصالحة للزراعة، حتى الخصبة، باستثناء بعض البقاع الصغيرة المساحة، مما يحظي سهل عكا أهمية اقتصادية كبيرة في ميدان الزراعة*، خاصة أن الشروط المناخية والمائية ملائمة وجيدة للاستغلال الزراعي. ب- الشروط المناخية – المائية لسهل عكا: سهل عكا ذو شروط مناخية نموذجية على الساحل الشرقي للبحر المتوسط، فمناخه متوسطي ساحلي لطيف يشكل جزءاً من مناخ* فلسطين وبلاد الشام الساحلية. وكيفية الأجزاء المشابهة على الساحل السوري تبقى الرطوبة النسبية عالية في هذه المنطقة، تزداد في اتجاه البحر وتنخفض نسبياً في اتجاه الداخل. وتصبح الرطوبة التي ترافق درجات الحرارة العالية في الصيف مزعجة مرهقة للإنسان معرقلة لنشاطه. لكن الحرارات الصيفية المتوسطة تبقى دون 30 درجة مئوية، ويبلغ معدل حرارة تموز 26 درجة مئوية -27 درجة مئوية. أما في الشتاء فيبلغ معدل حرارة شهر كانون الثاني 12- 13 درجة مئوية، ويحوم المعدل السنوي حول 20-21 درجة مئوية. وتهطل الأمطار في فصل الشتاء منذ شهر تشرين الثاني حتى شهر أيار. وهي قليلة متقطعة في بدء الموسم ونهايته. وتهطل أكبر كمية من الأمطار في كانون الثاني وشباط. ويقدر المتوسط السنوي لأمطار السهل بـ 500 -600مم، وهي كمية كافية لقيام زراعة بعلية، ونمو غطاء عشبي – نباتي جيد. وبالرغم من ارتفاع مقادير التبخر السنوي المقدرة بـ 1.100 – 1.200 مم فإن مياه الأمطار والرطوبة، إضافة إلى مياه نهري النعامين والمقطع المستمرة الجريان، ومياه عدد من المجاري الدنيا في الأودية الآنفة الذكر، كافية لازدهار الزراعة في سهل عكا. وتنبثق من السهل مياه نبع الكبري*، أهم ينابيع فلسطين، بتصريف سنوي يصل إلى 9 ملايين م3. ج- الوضع الاقتصادي السكاني: تنتشر في سهل عكا قرى وتجمعات سكانية كثيرة، منها البصة* والزيب* والكابري* والتل والنهر* والغابسية* وتوابعها وأبو سنان وكفر ياسيف* والسميرية* وعمقة والمنشية* والدامون* وعكا وقرى حيفا الشمالية الشرقية الكثيرة. ويؤكد انتشار هذه القرى، ووجود مدينة عكا على الساحل، وقيام مدينة حيفا* عند نهاية هذا السهل الجنوبية كأكبر تجمع سكاني في شمال فلسطين، يؤكد ذلك كله أهمية سهل عكا، ونشاط الإنسان فيه وإعماره له منذ القدم. ويأتي النشاط الزراعي في رأس القائمة، إذ استفاد الإنسان من الأحوال الطبيعية النموذجية، وقام بزراعة السهل واستغلال أطرافه في الرعي. وتزرع في السهل شتى أنواع الخضر والفواكه والمحاصيل الزراعية الأخرى. وتأتي الحمضيات في طليعة منتجات السهل، ثم الزيتون والموز والكرمة، ومن الحبوب القمح والشعير، وتجود أنواع الخضر والأعلاف. وتربى في السهل الأبقار في الدرجة الأولى، والأغنام في الدرجة الثانية، كما تربى أعداد كبيرة من الدواجن. وقد حولت المستنقعات* السهل إلى أحواض تربية أسماك هامة، ولا سيما في منطقة المجرى الأدنى لنهر النعامين. قامت في المراكز السكانية الكبرى القديمة كحيفا وعكا، وفي المراكز الحديثة، أي المستعمرات الصهيونية، صناعات مختلفة، منها الصناعة الكيميائية – النفطية، حيث مصفاة النفظ الواقعة على خليج عكا، والصناعات الغذائية والنسيجية والمعدنية. وأخيراً، لا بد من ذكر الأهمية الكبرى لسهل عكا لاحتوائه الخليج العربي الوحيد على الساحل الفلسطيني. المحمي من العواصف والأمواج حماية تامة، وهذا يبرز الأهمية التجارية له ولظهيره في سهل عكا والداخل الفلسطيني.   المراجع:   –         مصطفى مراد الدباغ: بلادنا فلسطين، ج7، ق2، بيروت 1974.